الديار المصرية هم المذكورون في السنة الماضية ، سوى القاضي الحنفي . وأما دمشق فليس لها
نائب إلى حينئذ غير أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب كان استنابه الفخري بدمشق نائب
غيبته ، فهو الذي يسد الأمور مع الحاجب ألمش ، وتمر المهمندار ، والأمير سيف الدين الملقب
بحلاوة ، والي البر ، والأمير ناصر الدين بن ركباس متولي البلد ، هؤلاء الذي يسدون الاشغال
والأمور السلطانية ، والقضاة هم الذين ذكرناهم في السنة الخالية ، وخطيب البلد تاج الدين عبد
الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني ، وكاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله .
واستهلت هذه السنة والأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي نازل بقصر تنكز بطريق داريا ،
وكتب السلطان واردة في كل وقت بالاحتياط عليه والقبض ، وأن يمسك ويرسل إلى الكرك ، هذا
والأمراء يتوانون في أمره ويسوفون المراسيم ، وقتا بعد وقت ، وحينا بعد حين ، ويحملهم على ذلك
أن الأحمدي لا ذنب له ، ومتى مسكه تطرف إلى غيره ، مع أن السلطان يبلغهم عنه أحوال لا
نرضيهم من اللعب والاجتماع مع الأراذل والأطراف ببلد الكرك ، مع قتله الفخري وطشتمر قتلا
فظيعا ، وسلبه أهلهما وسلبه لما على الحريم من الثياب والحلي ، وإخراجهم في أسوأ حال من
الكرك ، وتقريبه النصارى وحضورهم عنده . فحمل الأمراء هذه الصفات على أن بعثوا أحدهم
يكشف أمره ، فلم يصل إليه ، ورجع هاربا خائفا ، فلما رجع وأخبر الأمراء انزعجوا وتشوشوا
كثيرا ، واجتمعوا بسوق الخيل مرارا وضربوا مشورة بينهم ، فاتفقوا على أن يخلعوه ، فكتبوا إلى
المصريين بذلك ، وأعلموا نائب حلب أيدغمش ونواب البلاد ، وبقوا متوهمين من هذا الحال كثيرا
ومترددين ، ومنهم من يصانع في الظاهر وليس معهم في الباطن ، وقالوا لا سمع له ولا طاعة حتى
يرجع إلى الديار المصرية ، ويجلس على سرير المملكة ، وجاء كتابه إليهم يعيبهم ويعنفهم في
ذلك ، فلم يفد ، وركب الأحمدي في الموكب وركبوا عن يمينه وشماله وراحوا إليه إلى القصر ،
فسلموا عليه وخدموه ، وتفاقم الامر وعظم الخطب ، وحملوا هموما عظيمة خوفا من أن يذهب إلى
الديار المصرية فيلف عليه المصريون فيتلف الشاميين ، فحمل الناس همهم فالله هو المسؤول أن
يحسن العاقبة . فلما كان يوم الأحد السادس والعشرين من المحرم ورد مقدم البريدية ومعه كتب
المصريين بأنه لما بلغهم خبر الشاميين كان عندهم من أمر السلطان أضعاف ما حصل عند
الشاميين ، فبادروا إلى ما كانوا عزموا عليه ، ولكن ترددوا خوفا من الشاميين أن يخالفوهم فيه
ويتقدموا في صحبة السلطان لقتالهم ، فلما اطمأنوا من جهة الشاميين صمموا على عزمهم فخلعوا
الناصر أحمد ( 1 ) وملكوا عليهم أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن المنصور ، جعله
الله مباركا على المسلمين ، وأجلسوا على السرير يوم الثلاثاء ( 2 ) العشرين من المحرم المذكور ، وجاء
هامش
( 1 ) وذلك يوم الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم كما في السلوك 2 / 618 والنجوم الزاهرة 10 / 70 وفي بدائع
الزهور 1 / 1 / 499 : يوم الخميس ثاني عشر شهر المحرم .
( 2 ) في السلوك 1 / 619 : يوم الخميس ثاني عشري المحرم .