تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
عَلَيَّ . فَبَعَثَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ وَذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ لِي : يَا شَيْخُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعَزَّهُ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ عِشَاءَ الآخِرَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَمْضِي مَعَنَا إِلَى هَذِهِ الْمَشَاهِدِ فتوقفنا عليها والموضع الذي يأتي جبريل . ع . وَكُنْ بِالْقُرْبِ . فَلَمَّا صَلَّيْتُ عِشَاءَ الآخِرَةِ إِذَا أَنَا بِالشُّمُوعِ قَدْ خَرَجَتْ وَإِذَا أَنَا بِرَجُلَيْنِ عَلَى حِمَارَيْنِ . فَقَالَ يَحْيَى : أَيْنَ الرَّجُلُ ؟ فَقُلْتُ : هَا أَنَا ذَا . فَأَتَيْتُ بِهِ إِلَى دُورِ الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ : هَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِيهُ . فَنَزَلا عَنْ حِمَارَيْهِمَا فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ وَدَعَوُا اللَّهَ سَاعَةً ثُمَّ رَكَبَا وَأَنَا بَيْنَ أَيْدِيهِمَا . فَلَمْ أَدَعْ مَوْضِعًا مِنَ الْمَوَاضِعِ وَلا مَشْهَدًا مِنَ الْمَشَاهِدِ إِلا مَرَرْتُ بِهِمَا عَلَيْهِ . فَجَعَلا يُصَلِّيَانِ وَيَجْتَهِدَانِ فِي الدُّعَاءِ . فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى وَافِينَا الْمَسْجِدَ وَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ . فَلَمَّا صَارَا إِلَى الْقَصْرِ قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ : أَيُّهَا الشَّيْخُ لا تَبْرَحْ . فَصَلَّيْتُ الْغَدَاةَ فِي الْمَسْجِدِ . وَهُوَ عَلَى الرِّحْلَةِ إِلَى مَكَّةَ . فَأَذِنَ لِي يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ . فَأَدْنَى مَجْلِسِي وَقَالَ لِي : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعَزَّهُ اللَّهُ لَمْ يَزَلْ بَاكِيًا . وَقَدْ أَعْجَبَهُ مَا دَلَلْتُهُ عَلَيْهِ . وَقَدْ أَمَرَ لَكَ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ . فَإِذَا بَدَرَةٌ مُبْدَرَةٌ قَدْ دُفِعَتْ إِلَيَّ . وَقَالَ لِي : يَا شَيْخُ خُذْهَا مُبَارَكٌ لَكَ فِيهَا . وَنَحْنُ عَلَى الرِّحْلَةِ الْيَوْمَ . وَلا عَلَيْكَ أَنْ تَلَقَانَا حَيْثُ كُنَّا وَاسْتَقَرَّتْ بِنَا الدَّارُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَحَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَتَيْتُ مَنْزِلِي وَمَعِي ذَلِكَ الْمَالُ . فَقَضَيْنَا مِنْهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْنَا . وَزَوَّجْتُ بَعْضَ الْوَلَدِ . وَاتَّسَعْنَا . ثُمَّ إِنَّ الدَّهْرَ أَعَضَّنَا فَقَالَتْ لِي أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا قُعُودُكَ وَهَذَا وَزِيرُ أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أن تصبر إِلَيْهِ حَيْثُ اسْتَقَرَّتْ بِهِ الدَّارُ ؟ فَرَحَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أَظُنُّ الْقَوْمَ بِالْعِرَاقِ . فَأَتَيْتُ الْعِرَاقَ فَسَأَلْتُ عَنْ خَبَرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا لِي : هُوَ بِالرَّقَّةِ . فَأَرَدْتُ الانْصِرَافَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالْمَدِينَةِ مُخْتَلِ الْحَالِ . فَحَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى أَنْ أَصِيرَ إِلَى الرَّقَّةِ . فَصِرْتُ إِلَى مَوْضِعِ الْكَرَى فَإِذَا أَنَا بِعِدَّةِ فِتْيَانٍ مِنَ الْجُنْدِ يُرِيدُونَ الرَّقَّةَ . فَلَمَّا رَأَوْنِي قَالُوا : أَيُّهَا الشَّيْخُ أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَخَبَّرْتُهُمْ بِخَبَرِي وَأَنِّي أُرِيدُ الرقة . فنظرنا في كرى الجمالين فَإِذَا هِيَ تُضَعَّفُ عَلَيْنَا . فَقَالُوا : أَيُّهَا الشَّيْخُ هَلْ لَكَ أَنْ تَصِيرَ إِلَى السُّفُنِ فَهُوَ أَرْفَقُ بِنَا وَأَيْسَرُ عَلَيْنَا مِنْ كِرَى الْجِمَالِ ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ : مَا أَعْرِفُ مِنْ هَذَا شَيْئًا وَالأَمْرُ إِلَيْكُمْ . فَصِرْنَا إِلَى السُّفُنِ فَاكْتَرَيْنَا . فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَبَرَّ بِي مِنْهُمْ وَلا أَشْفَقَ وَلا أَحْوَطَ . يَتَكَلَّفُونَ مِنْ خِدْمَتِي وَطَعَامِي مَا يَتَكَلَّفُهُ الْوَلَدُ مِنْ وَالِدِهِ . حَتَّى صِرْنَا إِلَى مَوْضِعِ الْجَوَازِ بِالرَّقَّةِ . وَكَانَ الْجَوَازُ صَعْبًا جِدًّا . فَكَتَبُوا إِلَى قَائِدِهِمْ بِعِدَادِهِمْ وَأَدْخَلُونِي فِي عِدَادِهِمْ . فَمَكَثْنَا أَيَّامًا ثُمَّ جَاءَنَا الإِذْنُ بِأَسْمَائِنَا فجزت مع القوم فصرت