سبحانه ، ومات رحمه الله ، وأكرم مثواه ، وجعل جنات الفردوس مأواه ، وكان له من العمر سبع
وخمسون سنه ، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ، سنه ثنتين وثلاثين وخمسمائة ، رحمه الله ، فقد كان ردءا
للاسلام وحرزا وكهفا من كيد الكفرة اللئام ، وذلك بتوفيق الله له ، وكان أهل دمشق لم يصابوا
بمثل مصابه ، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبائه وأصحابه ، وقد غلقت الأسواق واحتفظ على
الحواصل ، ثم أخذوا في تجهيزه ، وحضر جميع أولاده وأهله ، وكان الذي تولى غسله خطيب البلد
الفقيه الدولعي ( 1 ) ، وكان الذي أحضر الكفن ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله
الحلال ، هذا وأولاده الكبار والصغار يتباكون وينادون ، وأخذ الناس في العويل والانتحاب
والدعاء له والابتهال ، ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر ، وأم الناس عليه
القاضي ابن الزكي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة ، ثم شرع ابنه في بناء تربة له ومدرسة
للشافعية بالقرب من مسجد القدم ، لوصيته بذلك قديما ، فلم يكمل بناؤها ، وذلك حين قدم
ولده العزيز وكان محاصرا لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه ، في سنة تسعين وخمسمائة ، ثم اشترى له
الأفضل دارا شمالي الكلاسة في وزان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة ، فجعلها تربة ،
هطلت سحائب الرحمة عليها ، ووصلت ألطاف الرأفة إليها . وكان نقله إليها في يوم عاشوراء سنة
اثنتين وتسعين ، وصلى عليه تحت النسر قاضي القضاة محمد بن علي القرابي ابن الزكي ، عن إذن
الأفضل ، ودخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه ، وهو يومئذ سلطان الشام ، ويقال إنه دفن
معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد ، وذلك عن أمر القاضي الفاضل ، وتفاءلوا بأنه يكون معه
يوم القيامة يتوكأ عليه ، حتى يدخل الجنة إن شاء الله . ثم عمل عزاؤه بالجامع الأموي ثلاثة أيام ،
يحضره الخاص والعام ، والرعية والحكام ، وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله
العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي ، وهي مائتا بيت واثنان ، وقد سردها الشيخ شهاب
الدين أبو شامة في الروضتين ، منها قوله :
شمل الهدى والملك عم شتاته * والدهر ساء وأقلعت حسناته
أين الذي مذ لم يزل مخشية * مرجوة رهباته وهباته ؟
أين الذي كانت له طاعاتنا * مبذولة ولربه طاعاته ؟
بالله أين الناصر الملك الذي * لله خالصة صفت نياته ؟
أين الذي ما زال سلطانا لنا * يرجى نداه وتتقى سطواته ؟
أين الذي شرف الزمان بفضله * وسمت على الفضلاء تشريفاته ؟
أين الذي عنت الفرنج لبأسه * ذلا ، ومنها أدركت ثاراته ؟
أغلال أعناق العدا أسيافه * أطواق أجياد الورى مناته
هامش
( 1 ) الدولعي هو ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل الأرقمي الدولعي
الشافعي ، خطيب دمشق توفي في ربيع الأول سنة 598 ه وله إحدى وتسعين سنة .