عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، الشيخ الحافظ الواعظ جمال
الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي ، القرشي التيمي البغدادي الحنبلي ، أحد أفراد العلماء ،
برز في علوم كثيرة ، وانفرد بها عن غيره ، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوا من ثلاثمائة
مصنف ، وكتب بيده نحوا من مائتي مجلدة ( 1 ) ، وتفرد بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولا يلحق
شأوه فيه وفي طريقته وشكله ، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه ونفوذ وعظه وغوصه
على المعاني البديعة ، وتقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية ، بعبارة وجيزة سريعة
الفهم والادراك ، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة ، هذا وله في العلوم كلها اليد
الطولى ، والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم
والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو ، وله من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن
تعدادها ، وحصر أفرادها ، منها كتابه في التفسير المشهور بزاد المسير ، وله تفسير أبسط منه ولكنه
ليس بمشهور ، وله جامع المسانيد استوعب به غالب مسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم
وجامع الترمذي ، وله كتاب المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم في عشرين مجلدا ، قد
أوردنا في كتابنا هذا كثيرا منه من حوادثه وتراجمه ، ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخا ، وما
أحقه بقول الشاعر :
ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا
وله مقامات وخطب ، وله الأحاديث الموضوعة ، وله العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ،
وغير ذلك . ولد سنة عشر وخمسمائة ، ومات أبوه وعمره ثلاث سنين ، وكان أهله تجارا في
النحاس ، فلما ترعرع جاءت به عمته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ ، فلزم الشيخ وقرأ عليه
وسمع عليه الحديث وتفقه بابن الزاغوني ، وحفظ الوعظ ووعظ وهو ابن عشرين سنة أو دونها ،
وأخذ اللغة عن أبي منصور الجواليقي ، وكان وهو صبي دينا مجموعا على نفسه لا يخالط أحدا ولا يأكل
ما فيه شبهة ، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة ، وكان لا يلعب مع الصبيان ، وقد حضر مجلس وعظه
الخلفاء والوزراء والملوك والامراء والعلماء والفقراء ، ومن سائر صنوف بني آدم ، وأقل ما كان يجتمع
في مجلس وعظه عشرة آلاف ، وربما اجتمع فيه مائة ألف أو يزيدون ، وربما تكلم من خاطره على
البديهة نظما ونثرا ، وبالجملة كان أستاذا فردا في الوعظ وغيره ، وقد كان فيه بهاء وترفع في نفسه
وإعجاب وسمو بنفسه أكثر من مقامه ، وذلك ظاهر في كلامه في نثره ونظمه ، فمن ذلك قوله :
ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا * وأكابد النهج العسير الاطولا
تجري بي الآمال في حلباته * جري السعيد مدى ما أملا
أفضى بي التوفيق فيه إلى الذي * أعيا سواي توصلا وتغلغلا
هامش
( 1 ) انظر تذكرة الحفاظ ص 1343 فقد ذكر فيها تصانيف أبي الفرج بن الجوزي .