فإنه عزل قبل رأس الحول ، فأخذ في هذه المدة العذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية
والعزيزية مع المدرستين اللتين كانتا بيده التقوية والعزيزية ، وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية
ومشيخة الشيوخ ، وأخذ أم الصالح لبعض أصحابه وهو العماد المصري ، وأخذ الشامية البرانية
لصاحب له ، واستناب أخاه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبيش في القضاء وولاه
الرواحية والشامية البرانية . قال أبو شامة : مع أن شرط واقفها أن لا يجمع بينها وبين غيرها . ولما
رجعت دمشق وغيرها إلى المسلمين ، سعى في القضاء وبذل أموالا ليستمر فيه وفيما بيديه من
المدارس ، فلم يستمر بل عزل بالقاضي نجم الدين أبي بكر بن صدر الدين بن سنى الدولة ،
فقرئ توقيعه بالقضاء يوم الجمعة بعد الصلاة في الحادي والعشرين من ذي القعدة عند الشباك
الكمالي من مشهد عثمان من جامع دمشق . ولما كسر الملك المظفر قطز عساكر التتار بعين جالوت
ساق وراءهم ودخل دمشق في أبهة عظيمة وفرح به الناس فرحا شديدا ودعوا له دعاء كثيرا ، وأقر
صاحب حمص الملك الأشرف عليها ، وكذلك المنصور صاحب حماه ، واسترد حلب من يد
هولاكو ( 1 ) ، وعاد الحق إلى نصابه ومهد القواعد ، وكان قد أرسل بين يديه الأمير ركن الدين
بيبرس البندقداري ليطرد التتار عن حلب ويتسلمها ووعده بنيابتها ، فلما طردهم عنها وأخرجهم
منها وتسلمها المسلمون استناب عليها غيره وهو علاء الدين ابن صاحب الموصل ، وكان ذلك
سبب الوحشة التي وقعت بينهما واقتضت قتل الملك المظفر قطز سريعا ، ولله الامر من قبل ومن
بعد . فلما فرغ المظفر من الشام عزم على الرجوع إلى مصر ( 2 ) واستناب على دمشق الأمير علم
الدين سنجر الحلبي الكبير والأمير مجير الدين بن الحسين بن آقشتمر ، وعزل القاضي ابن الزكي
عن قضاء دمشق ، وولى ابن سنى الدولة ثم رجع إلى الديار المصرية والعساكر الاسلامية في
خدمته ، وعيون الأعيان تنظر إليه شزرا من شدة هيبته .
ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري
وهو الأسد الضاري ، وذلك أن السلطان الملك المظفر قطز لما عاد قاصدا مصر ، وصل إلى
ما بين الغزالي والصالحية ، عدا عليه الامراء فقتلوه هنالك ، وقد كان رجلا صالحا كثير الصلاة في
الجماعة ، ولا يتعاطى المسكر ولا شيئا مما يتعاطاه الملوك ، وكانت مدة ملكه من حين عزل ابن
هامش
( 1 ) قال أبو الفداء في تاريخه : وفوض نيابة السلطنة بحلب إلى الملك السعيد ابن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل
وشمس الدين أقوش البرلي العزيزي أميرا بالسواحل وغزة ( 3 / 206 - 207 وابن خلدون 5 / 380 ) .
( 2 ) قال ابن إياس في بدائع الزهور 1 / 1 / 307 ، وبعد فراغه من التتار ودخوله الشام : " أرسل بالبشارة إلى القاهرة
وفي ذلك بقول أبو شامة :
غلب التتار على البلاد فجاءهم * من مصر تركي يجود بنفسه
بالشام أهلكهم وبدد شملهم * ولكل شئ آفة من جنسه