بعد العهد ، ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها ، والحق بيده ، فمتى استبعد ذلك
فلينظر أننا سطرنا نحن وكل من جمع التاريخ في أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة ،
قد استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها ، يسر الله للمسلمين والاسلام من يحفظهم
ويحوطهم ، فلقد دفعوا من العدو إلى أمر عظيم ، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه
وفرجه ، وقد عدم سلطان المسلمين خوارزم شاه . قال : وانقضت هذه السنة وهم في بلاد
الكرج ، فلما رأوا منهم ممانعة ومقاتلة يطول عليهم بها المطال عدلوا إلى غيرهم ، وكذلك كانت
عادتهم فساروا إلى تبريز فصالحهم أهلها بمال . ثم ساروا إلى مراغة فحصروها ونصبوا عليها
المجانيق وتترسوا بالأسارى من المسلمين ، وعلى البلد امرأة - ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة -
ففتحوا البلد بعد أيام وقتلوا من أهله خلقا لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل ، وغنموا منه شيئا
كثيرا ، وسبوا وأسروا على عادتهم لعنهم الله لعنة تدخلهم نار جهنم ، وقد كان الناس يخافون
منهم خوفا عظيما جدا حتى إنه دخل رجل منهم إلى درب من هذه البلد وبه مائة رجل لم يستطع
واحد منهم أن يتقدم إليه ، وما زال يقتلهم واحدا بعد واحد حتى قتل الجميع ولم يرفع منهم أحد
يده إليه ، ونهب ذلك الدرب وحده . ودخلت امرأة منهم في زي رجل [ دارا ] ( 1 ) فقتلت كل من في
ذلك البيت وحدها ثم استشعر أسير معها أنها امرأة فقتلها لعنها الله ، ثم قصدوا مدينة إربل فضاق
المسلمون لذلك ذرعا وقال أهل تلك النواحي هذا أمر عصيب ، وكتب الخليفة إلى أهل الموصل
والملك الأشرف صاحب الجزيرة يقول : إني قد جهزت عسكرا فكونوا معه لقتال هؤلاء التتار ،
فأرسل الأشرف يعتذر إلى الخليفة بأنه متوجه نحو أخيه الكامل إلى الديار المصرية بسبب ما قد دهم
المسلمين هناك من الفرنج ، وأخذهم دمياط الذي قد أشرفوا بأخذهم له على أخذ الديار المصرية
قاطبة ، وكان أخوه المعظم قد قدم على والي حران يستنجده لأخيهما الكامل ليتحاجزوا الفرنج
بدمياط وهو على أهبة المسير إلى الديار المصرية ، فكتب الخليفة إلى مظفر الدين صاحب إربل
ليكون هو المقدم على العساكر التي يبعثها الخليفة وهي عشرة آلاف مقاتل ، فلم يقدم عليه منهم
ثمانمائة فارس ثم تفرقوا قبل أن يجتمعوا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولكن الله سلم بأن صرف
همة التتار إلى ناحية همذان فصالحهم أهلها وترك عندهم التتار شحنة ، ثم اتفقوا على قتل شحنتهم
فرجعوا إليهم فحاصروهم حتى فتحوها قسرا وقتلوا أهلها عن آخرهم ، ثم ساروا إلى أذربيجان
ففتحوا أردبيل ( 2 ) ثم تبريز ( 3 ) ثم إلى بيلقان فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وجما غفيرا ، وحرقوها
هامش
( 1 ) من ابن الأثير .
( 2 ) في ابن الأثير : أردويل .
( 3 ) قال ابن الأثير في تاريخه : وسمعوا بما أهل البلد عليه من اجتماع الكلمة على قتالهم ، أرسلوا يطلبون منهم مالا
وثيابا ، فاستقر الامر بينهم على قدر معلوم من ذلك ، فسيروه إليهم ، فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو فنهبوها
وقتلوا كل من فيها ( 12 / 382 ) .