تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 794

مساهمون:

ص٧٩٤
ولهذا فإن القول الصحيح الَّذِي عليه السَّلف وأئمة السنة أنَّه يصح التوبة عن بعض الذنوب دون بعض خلافًا لبعض المعتزلة ، فإن أحد الذنبين قد يعلم قبحه فيتوب منه ، ويستهين بالآخر لجهله بقبحه وحقيقة مرتبته فلا يقلع عنه ، وكذلك قد يقهره هواه ، ويغلبه في أحدهما دون الآخر ، فيقلع عما لم يغلبه هواه فيه دون ما غلبه فيه هواه . ولا يقال : لو كانت الخشية عنده موجودة لأقلع عن الجميع ؛ لأنّ أصل الخشية عنده موجودة ، ولكنها غير تامة ، وسبب نقصها إما نقص علمه ، وإما غلبة هواه ، فنقص توبته نشأ من كون المقتضي للتوبة من أحد الذنبين أقوى من المقتضي للتوبة من الآخر ، وكون المانع من التوبة من أحدهما أشد من المانع من الآخر . الخامس : أن كل من علم علماً تامًّا جازمًا بأن فعل شيء يضره ضررًا راجحًا ولم يفعله فإن هذا خاصة العاقل ، فإن نفسه تنصرف عما يعلم رجحان ضرره بالطبع . فإن الله جعل في النفس حبًّا لما ينفعها ، وبغضًا لما يضرها فلا يفعل ما يجزم بأنه يضرها ضررًا راجحًا ، ولا يقع ذلك إلا مع ضعيف العقل ؛ فإن السقوط من موضع عالٍ أو في نهرٍ مغرقٍ ، والمرور تحت حائط يخشى سقوطه ، ودخول نار متأججة ، ورمي المال في البحر ونحو ذلك ، لا يفعله من هو تام العقل ؛ لعلمه بأن هذا ضررٌ لا منفعة فيه ، وإنَّما يفعله من لم يعلم ضرره كالصبي والمجنون والساهي والغافل . وأما العقل فلا يقدم عَلَى ما يضره مع علمه بما فيه من الضرر إلا لظنه أن منفعته راجحة إما بأن يجزم بأن ضرره مرجوح ، أو يظن أن خيره راجح ، كالذي يركب البحر ، ويسافر الأسفار الخطرة للربح ، فإنَّه لو جزم بأنه يغرق أو يخسر لما فعل ذلك ، وإنَّما أقدم عليه لترجيح السلامة عنده والربح ، وإن كان قد يكون مخطئًا في هذا الظن ، وكذلك الزاني والسارق ونحوهما ، لو حصل لهم جزم بإقامة الحدود عليهم من الرجم والقطع ونحو ذلك لم يقدموا
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 794 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني