حيان بن خيثم المجنون
قال عطاء السلمي : مررت ببعض أصدقائي ظاهر البلد فناداني وسألني ان أبر قسمة وناولني سكراً وسمناً ونشاءً وقال اصلحه لي . فأمرت من أصلحه . ثم أخذته تحت كسائي أمر به إليه ، إذا أنا بحيان بن خيثم المجنون فقال ما معك ؟ فقلت شيء اصلحته لبعض رفقائي . فقال اكشف عنه فكشفت فقال ارفعه فان نفوسنا نفرت من أن تأكله . قلت فما تريد ؟ قال فالوذج العارفين قلت وما هو ؟ قال خذ قند الصفا . وسمن البها . وزعفران الرضا . وماء المراقبة . وانصب طنجير القلق . وأوقد تحتها حطب الحرق . واعقده باصطام الحياء . ونار الشوق . حتى يزيد زبد الصبر . وترغو رغوة التوكل . ثم ابسط على صحاف الأنس . ثم كله . قلت فإذا أكلته . قال تضج أوجاع القلوب إلى مداويها . وتشكو ألم الضمير إلى مبليها . وتبكي العيون عن محبة مبكيها شوقاً إلى تأنسه محبتها . ثم أنشد فقال :
فهام بحب الله في القفر سابحاً . . . وحطت على سوق القدوم رواحله
نهاه النهى فارتاح للخوف باطنه . . . وخاف وعيذ الله فالحق شاغله
فلما جرى في القلب ماء يقينه . . . فأنبت زرعاً لم تجف سنابله
طوى دهره بالصوم حتى كأنما . . . عليه يمينٌ إنه لا يزايله
فعاد بحزن قد جري في ضميره . . . تنوح به أعضاؤه ومفاصله
يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقى . . . إذا عرف الداء الذي هو قاتله
قال عطاء : ومررت به يوماً وهو في المقبرة واقف على قبر يخاطبه ، فقلت من تخاطب ؟ قال : صاحب هذا القبر فإنه كان صديقي ورفيقي ، قلت : وما قلت ؟ قال أقول .
يا صاحب القبر يا من كان يأنس بي . . . وكان يكثر في الدنيا موآتاتي
قلت وما جاوبك ؟ قال قال :
شغلت عنك بشيءٍ لست واصفه . . . من الغموم ولوعاتٍ وبرحات