أمسي وقد درست محاسن وجهه . . . وتفرقت في قبره أوصاله
واستبدلت منه المحاسن غبرة . . . وتقسمت من بعده أمواله
ما زالت الأيام تلعب بالفتى . . . والمال يذهب صفوه وجلاله
قال ذو النون المصري رأيت سعدون في مقابر البصرة وهو يناجي ربه ويقول بصوت عال أحد أحد فسلمت عليه فرد علي ، فقلت بحق من تناجيه ألا وقفت ، فوقف ، ثم قال : قل : قلت أوصني بوصية أحفظها عنك أو تدعو بدعوة فأنشأ يقول :
يا طالب العلم من هنا وهنا . . . ومعدن العلم بين جنبيكا
إن كنت تبغي الجنان تسكنها . . . فاسبل الدمع فوق خديكا
وقم إذا قام كل مجتهد . . . وادعه كي يقول لبيكا
ثم مضى وهو يقول : يا غياث المستغيثين ، فقلت له ارفق بنفسك فلعله ينظر إليك برحمته فنزع يده من يدي ، وهو يقول :
سلام على طيب المقام سلام . . . فليس لعين المستهام منام
ولو ترك الإغماض يوماً لجفنه . . . لا يقظه مما يجن ضرام
ثم مضى وتركني .
قال رباح القيسي : سمعت مالك بن دينار ، يقول : أصاب الناس بالبصرة قحط شديد ، فخرجنا نستسقي فإذا أنا بسعدون في بعض الخرابات فقلت له بالذي خلقك استسق لنا ، فرفع رأسه إلى السماء وقال " يا فاطر الأشباح والأرواح ومنشئ السحاب والرياح وفالق الأصباح بحق ما جرى البارحة أن ترحم عبادك وبلادك ولا تهلك بلادك بذنوب عبادك " قال فما استتم كلامه حتى أرخت السماء غرابيلها وجادت بوابلها فخرج يخوض الماء وهو يقول :
قل لدنياي أبعدي وتولي . . . ان تريني فإنني لا أراك
عقلاء المجانين — صفحة 56
مساهمون: حسن بن محمد بن حبيب النيسابوري
ص٥٦