ثم دخلت سنة أربعين ومائة
فيها ثار جماعة من الجند على أبي داود نائب خراسان ، وحاصروا داره ، فأشرف عليهم وجعل
يستغيث بجنده ليحضروا إليه ، واتكأ على آجرة في الحائط فانكسرت به فسقط فانكسر ظهره فمات ،
فخلفه على خراسان عاصم ( 1 ) ، صاحب الشرطة حتى قدم الأمير من جهة الخليفة عليها ، وهو عبد
الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ، فتسلم بلاد خراسان ، وقتل جماعة من الأمراء لأنه بلغه عنهم أنهم
يدعون إلى خلافة آل علي بن أبي طالب ، وحبس آخرين ، وأخذ نواب أبي داود بجباية الأموال
المنكسرة عندهم .
وفيها حج بالناس الخليفة المنصور أحرم من الحيرة ورجع بعد انقضاء الحج إلى المدينة ، ثم
رحل إلى بيت المقدس فزاره ، ثم سلك الشام إلى الرقة ، ثم سار إلى الهاشمية - هاشمية الكوفة -
ونواب الأقاليم هم المذكورون في التي قبلها ، سوى خراسان فإنه مات نائبها أبو داود ، فخلفه مكانه
عبد الجبار الأزدي . وفيها توفي داود بن أبي هند ، وأبو حازم سلمة بن دينار ، وسهيل بن أبي صالح ،
وعمارة بن غزية بن قيس السكوني .
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة
فيها خرجت طائفة يقال لها الراوندية على المنصور . ذكر ابن جرير عن المدائني : أن أصلهم من
خراسان ، وهم على رأي أبي مسلم الخراساني ، كانوا يقولون بالتناسخ ، ويزعمون أن روح آدم انتقلت
إلى عثمان بن نهيك ، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم أبو جعفر المنصور . وأن الهيثم بن معاوية
جبريل ، قبحهم الله .
قال ابن جرير : فأتوا يوما قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون : هذا قصر ربنا ، فأرسل
المنصور إلى رؤسائهم فحبس منهم مائتين ، فغضبوا من ذلك وقالوا : علام تحبسهم ؟ ثم عمدوا إلى
نعش فحملوه على كواهلهم وليس عليه أحد ، واجتمعوا حوله كأنهم يشيعون جنازة ، واجتازوا بباب
السجن ، فألقوا النعش ودخلوا السجن قهرا واستخرجوا من فيه من أصحابهم ، وقصدوا نحو المنصور
وهم في ستمائة ، فتنادى الناس وغلقت أبواب البلد ، وخرج المنصور من القصر ماشيا ، لأنه لم يجد
دابة يركبها ، ثم جئ بدابة فركبها وقصد نحو الراوندية وجاء الناس من كل ناحية ، وجاء معن بن
زائدة ، فلما رأى المنصور ترجل وأخذ بلجام دابة المنصور ، وقال : يا أمير المؤمنين ارجع ! نحن
نكفيكهم . فأبى وقام أهل الأسواق إليهم فقاتلوهم ، وجاءت الجيوش فالتفوا عليهم من كل ناحية
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 5 / 498 والطبري 9 / 173 : عصام .