وما أتينا ذاك عن بدعة * أحله الفرقان لي أجمعا
وقد كان الزهري يحث هشاما على خلع الوليد هذا ويستنهضه في ذلك ، فيحجم هشام عن
ذلك خوف الفضيحة من الناس ، ولئلا تتنكر قلوب الأجناد من أجل ذلك ، وكان الوليد يفهم ذلك
من الزهري ويبغضه ويتوعده ويتهدده ، فيقول له الزهري : ما كان الله ليسلطك علي يا فاسق ، ثم
مات الزهري قبل ولاية الوليد ، ثم فر الوليد من عمه إلى البرية فلم يزل بها حتى مات ، فاحتاط على
أموال عمه ثم ركب من فوره من البرية وقصد دمشق ، واستعمل العمال وجاءته البيعة من الآفاق ،
وجاءته الوفود ، وكتب إليه مروان بن محمد - وهو إذ ذاك نائب أرمينية - يبارك له في خلافة الله له على
عباده والتمكين في بلاده ، ويهنئه بموت هشام وظفره به ، والتحكم في أمواله وحواصله ، ويذكر له أنه
جدد البيعة له في بلاده وأنهم فرحوا واستبشروا بذلك ، ولولا خوفه من الثغر لاستناب عليه وركب
بنفسه شوقا إلى رؤيته ، ورغبة في مشافهته ، ثم إن الوليد سار في الناس سيرة حسنة بادي الرأي وأمر
باعطاء الزمني والمجذومين والعميان لكل إنسان خادما ، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف
لعيالات المسلمين ، وزاد في أعطيات الناس ، ولا سيما أهل الشام والوفود ، وكان كريما ممدحا شاعرا
مجيدا ، لا يسأل شيئا قط فيقول لا ، ومن شعره قوله يمدح نفسه بالكرم :
ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق * بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة * وأعطية مني إليكم ( 1 ) تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم * به يكتب الكتاب شهرا وتطبع
وفي هذه السنة عقد الوليد البيعة لابنه الحكم ثم عثمان ، على أن يكونا وليي العهد من بعده ،
وبعث البيعة إلى يوسف بن عمر أمير العراق وخراسان ، فأرسلها إلى نائب خراسان نصر بن سيار ،
فخطب بذلك نصر خطبة عظيمة بليغة طويلة ، ساقها ابن جرير بكمالها ، واستوثق للوليد الممالك في
المشارق والمغارب ، وأخذت البيعة لولديه من بعده في الآفاق ، وكتب الوليد إلى نصر بن سيار
بالاستقلال بولاية خراسان ، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فسأله أن يرد إليه ولاية خراسان
فردها إليه كما كانت في أيام هشام ، وأن يكون نصر بن سيار ونوابه من تحت يده ، فكتب عند ذلك
يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يستوفده إلى أمير المؤمنين بأهله وعياله ، وأن يكثر من استصحاب
الهدايا والتحف . فحمل نصر بن سيار ألف مملوك على الخيل ، وألف وصيفة وشيئا كثيرا من أباريق
الفضة والذهب ، وغير ذلك من التحف ، وكتب إليه الوليد يستحثه سريعا ويطلب منه أن يحمل معه
طنابير وبرابط ومغنيات وبازات وبراذين فره ، وغير ذلك من آلات الطرب والفسق ، فكره الناس
ذلك منه وكرهوه . وقال المنجمون لنصر بن سيار : إن الفتنة قريبا ستقع بالشام ، فجعل يتثاقل في
هامش
( 1 ) في الطبري 8 / 294 وابن الأثير 5 / 268 : عليكم .