يا ضيعة الاسلام لما ولي * مظالم الناس أبو عمره
صير مأمونا على أمة * وليس مأمونا على بعره
وكانت البيعة له بالمتوكلية ، وهي المأحوزة ، فأقام بها عشرة ( 1 ) أيام ثم تحول هو وجميع قواده
وحشمه منها إلى سامرا . وفيها في ذي الحجة أخرج المنتصر عمه علي بن المعتصم من سامرا إلى بغداد
ووكل به . وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي . وفيها توفي من الأعيان إبراهيم بن سعيد
الجوهري ( 2 ) . وسفيان بن وكيع بن الجراح ، وسلمة بن شبيب ( 3 ) .
وأبو عثمان المازني النحوي
واسمه بكر بن محمد بن عثمان البصري شيخ النحاة في زمانه ، أخذه عن أبي عبيدة والأصمعي
وأبي زيد الأنصاري وغيرهم ، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وأكثر عنه ، وللمازني مصنفات كثيرة في هذا
الشأن . وكان شبيها بالفقهاء ورعا زاهدا ثقة مأمونا . روى عنه المبرد أن رجلا من أهل الذمة طلب منه
أن يقرأ عليه كتاب سيبويه ويعطيه مائة دينار فامتنع من ذلك . فلامه بعض الناس في ذلك فقال : إنما
تركت أخذ الأجرة عليه لما فيه من آيات الله تعالى . فاتفق بعد هذا أن جارية غنت بحضرة الواثق :
أظلوم إن مصابكم رجلا * رد السلام تحية ظلم
فاختلف من بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت ، وهل يكون رجلا مرفوعا أو منصوبا ، وبم نصب ؟
أهو اسم أو ماذا ؟ وأصرت الجارية على أن المازني حفظها هذا هكذا . قال فأرسل الخليفة إليه ، فلما
مثل بين يديه قال له : أنت المازني ؟ قال : نعم . قال : من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس ؟
فقلت من مازن ربيعة . فأخذ يكلمني بلغتي ، فقال : باسمك ؟ وهو يقلبون الباء ميما والميم باء ،
فكرهت أن أقول مكر فقلت : بكر ، فأعجبه إعراضي عن المكر إلى البكر ، وعرف ما أردت . فقال :
على م انتصب رجلا ؟ فقلت : لأنه معمول المصدر بمصابكم فأخذ اليزيدي يعارضه فعلاه المازني
بالحجة فأطلق له الخليفة ألف دينار ورده إلى أهله مكرما . فعوضه الله عن المائة الدينار - لما تركها لله
سبحانه ولم يمكن الذمي من قراءة الكتاب لأجل ما فيه من القرآن - ألف دينار عشرة أمثالها . روى
المبرد عنه قال : أقرأت رجلا كتاب سيبويه إلى آخره ، فلما انتهى إلى آخره قال لي : أما أنت أيها الشيخ
جزاك الله خيرا ، وأما أنا فوالله ما فهمت منه حرفا . توفي المازني في هذه السنة وقيل في سنة ثمان
وأربعين .
هامش
( 1 ) في مروج الذهب 4 / 148 : سبعة أيام .
( 2 ) أبو إسحاق البغدادي الحافظ كان من أركان الحديث مات مرابطا بعين زربة .
( 3 ) أبو عبد الرحمن النيسابوري الحافظ الموثق روى عنه من الكبار أحمد بن حنبل وأصحاب الكتب الستة إلا البخاري
مات في رمضان .