حلاوة الايمان ( 1 ) : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يقذف
في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " ( 2 ) أخرجاه في الصحيحين .
وقال أبو القاسم البغوي . حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا أبو المغيرة ، ثنا صفوان بن عمرو
السكسكي ، ثنا عمرو بن قيس السكوني ، ثنا عاصم بن حميد قال : سمعت معاذ بن جبل يقول :
" إنكم لم تروا إلا بلاء وفتنة ، ولن يزداد الامر إلا شدة ، ولا الأنفس إلا شحا " . وبه قال معاذ : " لن
تروا من الأئمة إلا غلظة ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشد منه " . قال
البغوي : سمعت أحمد يقول : اللهم رضنا . وروى البيهقي : عن الربيع قال : بعثني الشافعي بكتاب
من مصر إلى أحمد بن حنبل ، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب فقال : أقرأته ؟
فقلت : لا ! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه ، فقلت : يا أبا عبد الله وما فيه ؟ فقال : يذكر أنه رأى رسول الله
صلى الله عليه وسلم في المنام فقال : اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأقرأ عليه مني السلام وقل له : إنك ستمتحن
وتدعى إلى القول بخلق القرآن فلا تجبهم ، يرفع الله لك علما إلى يوم القيامة . قال الربيع : فقلت
حلاوة البشارة ، فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه ، فلما رجعت إلى الشافعي أخبرته قال : إني
لست أفجعك فيه ، ولكن بله بالماء وأعطينيه حتى أتبرك به .
ملخص الفتنة والمحنة من كلام أئمة السنة
قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق
إلى الباطل ، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله عز وجل . قال البيهقي : ولم يكن في
الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم ، فلما ولي هو الخلافة
اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له ، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه
ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن ، واتفق له ذلك
آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين . فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة
من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا ، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم
مكرهين : واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح الجنديسابوري ،
فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك ، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد فلما
كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الاعراب من عبادهم يقال له جابر بن عامر ، فسلم على الإمام أحمد
هامش
( 1 ) حلاوة الايمان : معناه استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وإيثار ذلك على
عرض الدنيا . ومحبة العبد ربه سبحانه بفعل طاعته وترك مخالفته . وكذلك محبة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه - بألفاظ مختلفة - في كتاب الايمان ( 15 ) باب . ح ( 67 ) ص 1 / 66 والبخاري في
الايمان ( 9 ) باب ح 16 فتح الباري 1 / 60 .