خراسان ، فسار إليه في سبعين من النقباء ، لا يمرون ببلد إلا سألوهم إلى أين تذهبون ؟ فيقول أبو
مسلم : نريد الحج . وإذا توسم أبو مسلم من بعضهم ميلا إليهم دعاهم إلى ما هم فيه فيجيبه إلى
ذلك ، فلما كان ببعض الطريق ( 1 ) جاء كتاب ثان من إبراهيم الامام إلى أبي مسلم : إني بعثت إليك
براية النصر فارجع إلى خراسان وأظهر الدعوة ، وأمر قحطبة بن شبيب أن يسير بما معه من الأموال
والتحف إلى إبراهيم الامام فيوافيه في الموسم ، فرجع أبو مسلم بالكتاب فدخل خراسان ( 2 ) في أول يوم
من رمضان فرفع الكتاب إلى سليمان بن كثير وفيه : أن أظهر دعوتك وتتربص . فقدموا عليهم أبا
مسلم الخراساني داعيا إلى بني العباس ، فبعث أبو مسلم دعاته في بلاد خراسان ، وأمير خراسان
- نصر بن سيار - مشغول بقتال الكرماني ، وشيبان بن سلمة الحروري ، وقد بلغ من أمره أنه كان
يسلم عليه أصحابه بالخلافة في طوائف كثيرة من الخوارج ، فظهر أمر أبي مسلم وقصده الناس من كل
جانب ، فكان ممن قصده في يوم واحد أهل ستين قرية ، فأقام هناك اثنين وأربعين يوما ، ففتحت على
يديه أقاليم كثيرة . ولما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان في هذه السنة ، عقد أبو مسلم اللواء
الذي بعثه إليه الامام ، ويدعى الظل ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا ، وعقد الراية التي بعث بها
الامام أيضا ، وتدعى السحاب ، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا ، وهما سوداوان ، وهو يتلو قوله
تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) [ الحج : 39 ] ولبس أبو
مسلم وسليمان بن كثير ومن أجابهم إلى هذه الدعوة ، السواد ، وصارت شعارهم ، وأوقدوا في هذه
الليلة نارا عظيمة يدعون بها أهل تلك النواحي ، وكانت علامة بينهم فتجمعوا . ومعنى تسمية
إحدى الرايتين بالسحاب أن السحاب كما يطبق جميع الأرض كذلك بنو العباس تطبق دعوتهم أهل
الأرض ، ومعنى تسمية الأخرى بالظل أن الأرض كما أنها لا تخلو من الظل فكذلك بنو العباس لا تخلو
الأرض من قائم منهم . وأقبل الناس إلى أبي مسلم من كل جانب ، وكثر جيشه .
ولما كان يوم عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير ان يصلي بالناس ، ونصب له منبرا ، وأن
يخالف في ذلك بني أمية ، ويعمل بالسنة ، فنودي للصلاة : الصلاة جامعة ، ولم يؤذن ولم يقم خلافا
لهم ، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، وكبر ستا في الأولى قبل القراءة ، لا أربعا . وخمسا في الثانية لا ثلاثا ،
خلافا لهم . وابتدأ الخطبة بالذكر والتكبير وختمها بالقراءة ، وانصرف الناس من صلاة العيد وقد أعد
لهم أبو مسلم طعاما فوضعه بين أيدي الناس ، وكتب إلى نصر بن سيار كتابا بدأ فيه بنفسه ثم قال إلى
نصر بن سيار . بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد فإن الله عير أقواما في كتابه فقال ( وأقسموا بالله جهد
أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) إلى قوله ( تحويلا ) [ فاطر : 42 - 43 ] فعظم
على نصر أن قدم اسمه على اسمه ، وأطال الفكر ، وقال : هذا كتاب له جواب .
هامش
( 1 ) في الطبري 9 / 82 : أتاه وهو بقومس . ( انظر ابن الأثير 5 / 357 ) .
( 2 ) الطبري وابن الأثير : مرو .