وقد قال المهدي يوما في خطبة : أيها الناس أسروا مثلما تعلنون من طاعتنا تهنكم العافية ،
وتحمدوا العاقبة ، واخفضوا جناح الطاعة لمن ينشر معدلته فيكم ، ويطوي ثوب الإصر عنكم . وأهال
عليكم السلامة ولين المعيشة من حيث أراه الله ، مقدما ذلك على فعل من تقدمه ، والله لأعفين عمري
من عقوبتكم ، ولأحملن نفسي على الاحسان إليكم . قال : فأشرقت وجوه الناس من حسن كلامه . ثم
استخرج حواصل أبيه من الذهب والفضة التي كانت لا تحد ولا توصف كثرة ، ففرقها في الناس ، ولم
يعط أهله ومواليه منها شيئا ، بل أجرى لهم أرزاقا بحسب كفايتهم من بيت المال ، لكل واحد خمسمائة
في الشهر غير الأعطيات . وقد كان أبوه حريصا على توفير بيت المال ، وإنما كان ينفق في السنة ألفي
درهم من مال السراة . وأمر المهدي ببناء مسجد الرصافة وعمل خندق وسور حولها ، وبني مدنا
ذكرناها فيما تقدم .
وذكر له عن شريك بن عبد الله القاضي أنه لا يرى الصلاة خلفه ، فأحضره فتكلم معه ثم قال
له المهدي في جملة كلامه : يا بن الزانية ! فقال له شريك : مه مه يا أمير المؤمنين فلقد
كانت صوامة قوامة . فقال له . يا زنديق لأقتلنك . فضحك شريك ، فقال : يا أمير المؤمنين إن
للزنادقة علامات وذكروا أنه هاجت ريح شديدة ، فدخل المهدي بيتا في داره فألزق خده بالتراب
وقال : اللهم إن كنت أنا المطلوب بهذه العقوبة دون الناس فها أنا ذا بين يديك ، اللهم لا تشمت بي
الأعداء من أهل الأديان . فلم يزل كذلك حتى انجلت . ودخل عليه رجل يوما ومعه نعل فقال :
هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك . فقال : هاتها ، فناوله إياها ، فقبلها ووضعها على عينيه
وأمر له بعشرة آلاف درهم . فلما انصرف الرجل قال المهدي : والله إني لاعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير
هذه النعل ، فضلا عن أن يلبسها ، ولكن لو رددته لذهب يقول للناس : أهديت إليه نعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها علي ، فتصدقه الناس ، لان العامة تميل إلى أمثالها ، ومن شأنهم نصر الضعيف
على القوي وإن كان ظالما ، فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم ، ورأينا هذا أرجح وأصلح .
واشتهر عنه أنه كان يحب اللعب بالحمام والسباق بينها ، فدخل عليه جماعة من المحدثين فيهم
عتاب بن إبراهيم فحدثه بحديث أبي هريرة : " لا سبق إلا في خف أو نعل أو حافر " . وزاد في الحديث
" أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف . ولما خرج قال : والله إني لاعلم أن عتابا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم
أمر بالحمام فذبح ولم يذكر عتابا بعدها . وقال الواقدي : دخلت على المهدي يوما فحدثته بأحاديث
فكتبها عني ثم قام فدخل بيوت نسائه ثم خرج وهو ممتلئ غيظا فقلت : مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال :
دخلت على الخيزران فقامت إلي ومزقت ثوبي وقالت : ما رأيت منك خيرا ، وإني والله يا واقدي إنما
اشتريتها من نخاس ، وقد نالت عندي ما نالت ، وقد بايعت لو لديها بأمرة المؤمنين من بعدي . فقلت :
يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام " . وقال : " خيركم خيركم
البداية والنهاية — صفحة 163
مساهمون: ابن كثير
ص١٦٣