Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 307

Contributors:

P.307
هناك فعلا حقيقة فجاز أن يفرد كل واحد منهما بحكم وفى مسألة الرمي جعل الفعل المتحد حقيقة متعددا شرعا بخلاف الحقيقة ومن ادعى خلاف الحقيقة ههنا يحتاج إلى الدليل ولو قطع إصبعا فسقطت إلى جنبها أخرى فلا قصاص في شئ من ذلك في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما في ظاهر الرواية عنهما يجب في الأول القصاص وفى الثاني الأرش وفى رواية ابن سماعة عن محمد انه يجب القصاص فيهما لان من أصله على هذه الرواية أن الجراحة التي فيها القصاص إذا تولد منها ما يمكن فيه القصاص يجب القصاص فيهما جميعا وههنا يمكن وفيما إذا قطع إصبعا فشلت أخرى بجنبها لا يمكن فوجب القصاص في الأولى والأرش في الثانية وجه ظاهر قولهما على نحو ما ذكرنا فيما تقدم أن المحل متعدد وانه يوجب تعدد الفعل عند تعدد الأثر وقد وجد ههنا فيجعل كجنايتين مختلفتين فيتعلق بكل واحدة منهما حكمها ولأبي حنيفة رضي الله عنه انه لا سبيل إلى استيفاء القصاص على وجه المماثلة لان ذلك هو القطع المسقط للإصبع وذلك غير ممكن ولان الجناية واحدة حقيقة فلا توجب الا ضمانا واحدا وقد وجب المال فلا يجب القصاص ولو قطع إصبع رجل عمدا فسقطت الكف من المفصل فلا قصاص في ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله وفيه دية اليد لان استيفاء المثل وهو القطع المسقط للكف متعذر فيمتنع الوجوب ولان الكف مع الإصبع كعضو واحد فكانت الجناية واحدة حقيقة وحكما وقد تعلق بهما ضمان المال فلا يتعلق بهما القصاص وقال أبو يوسف يقتص منه فتقطع يده من المفصل فرق أبو يوسف بين هذا وبين ما إذا قطع إصبعا فسقطت أخرى إلى جنبها انه لا يجب القصاص في الثانية لان الإصبع جزء من الكف والسراية تتحقق من الجزء إلى الجملة كما تتحقق من اليد إلى النفس والإصبعان عضوان مفردان ليس أحدهما جزء الآخر فلا تتحقق السراية من أحدهما إلى الآخر فوجب القصاص في الأولى دون الثانية وعلى ما روى محمد رحمه الله في النوادر يجب القصاص ههنا أيضا كما قال أبو يوسف رحمه الله لأنه جناية واحدة وقد سرت إلى ما يمكن القصاص فيه فيجعل كأنه قطع الكف من الزند ولو كسر بعض سن انسان فسقطت لا قصاص فيه في قول أبي حنيفة عليه الرحمة لأنه لا يمكن الاقتصاص بكسر مسقط للسن وقال أبو يوسف يجب القصاص كما قال في الإصبع إذا قطعت فسقطت منها الكف وكذلك عند محمد يجب القصاص على رواية النوادر لما ذكرنا من أصله وكذلك لو ضرب سن انسان فتكسر بعضها وتحرك الباقي واستوفى حولا انها ان اسودت فلا قصاص فيها لتعذر استيفاء المثل وهو الكسر المسود وان سقطت فكذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله وفيها الأرش لعدم امكان استيفاء المثل وهو الكسر المسقط فيجب فيها الأرش وقال أبو يوسف فيها القصاص كما قال في الإصبع إذا قطعت الكف ولو شج انسانا موضحة متعمدا فذهب منها بصره فلا قصاص في قول أبي حنيفة وفى البصر الأرش وقالا في الموضحة القصاص وفى البصر الدية هذه رواية الجامع الصغير عن محمد وروى ابن سماعة في نوادره عنه ان فيهما جميعا القصاص وجه هذه الرواية انه تولد من جناية العمد إلى عضو يمكن فيه القصاص فيجب فيه القصاص كما إذا سرى إلى النفس وجه ظاهر قولهما ان تلف البصر حصل من طريق التسبيب لا من طريق السراية بدليل أن الشجة تبقى بعد ذهاب البصر وحدوث السراية يوجب تغير الجناية كالقطع إذا سرى إلى النفس انه لا يبقى قطعا بل يصير قتلا وهنا الشجة لم تتغير بل بقيت شجة كما كانت فدل ان ذهاب البصر ليس من طريق السراية بل من طريق التسبيب والجناية بطريق التسبيب لا توجب القصاص كما في حفر البئر ونحو ذلك ولو ذهبت عيناه ولسانه وسمعه وجماعه فلا قصاص في شئ من ذلك على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه وعلى قولهما في الموضحة القصاص ولا قصاص في العينين في ظاهر قولهما بل فيها الأرش وعلى رواية النوادر عن محمد فيهما القصاص دون اللسان والسمع والجماع لأنه لا يمكن فيهما القصاص إذ لا قصاص في ذهاب منفعة اللسان والسمع والجماع في الشرع وفى ذهاب البصر قصاص في الشريعة ولو ضربه بعصا فأوضحه ثم عاد فضربه أخرى إلى جنبها ثم تأكلتا حتى صارت واحدة فهما موضحتان ولا قصاص فيهما أما على أصل أبي حنيفة رحمه
بدائع الصنائع — Page 307 | أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (الكاشاني)