Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 136

Contributors:

P.136
فان المرتد لا يسترق وان لحق بدار الحرب لأنه لم يشرع فيه الا الاسلام أو السيف لقوله سبحانه وتعالى تقاتلونهم أو يسلمون وكذا الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا عليه في زمن سيدنا أبى بكر رضي الله عنه ولان استرقاق الكافر للتوسل إلى الاسلام واسترقاقه لا يقع وسيلة إلى الاسلام على ما مر من قبل ولهذا لم يجز ابقاؤه على الحرية بخلاف المرتدة إذا لحقت بدار الحرب انها تسترق لأنه لم يشرع قتلها ولا يجوز ابقاء الكافر على الكفر الا مع الجزية أو مع الرق ولا جزية النسوان فكان ابقاؤها على الكفر مع الرق أنفع للمسلمين من ابقائها من غير شئ وكذا الصحابة رضي الله عنهم استرقوا نساء من ارتد العرب وصبيانهم حتى قيل إن أم محمد ابن الحنفية وهي خولة بنت اياس كانت من سبى بنى حنيفة ومنها حرمة أخذ الجزية فلا تؤخذ الجزية من المرتد لما ذكرنا ومنها ان العاقلة لا تعقل جنايته لما ذكرنا من قبل ان موجب الجناية على الجاني وإنما العاقلة تتحمل عنه بطريق التعاون والمرتد لا يعاون ومنها الفرقة إذا ارتد أحد الزوجين ثم إن كانت الردة من المرأة كانت فرقة بغير طلاق بالاتفاق وإن كانت من الرجل ففيه خلاف مذكور في كتاب النكاح ولا ترتفع هذه الفرقة بالاسلام ولو ارتد الزوجان معا أو أسلما معا فهما على نكاحهما عندنا وعند زفر رحمه الله فسد النكاح ولو أسلم أحدهما قبل الاخر فسد النكاح بالاجماع وهي من مسائل كتاب النكاح ومنها انه لا يجوز انكاحه لأنه لا ولاية له ومنها حرمة ذبيحته لأنه لا ملة له لما ذكرنا ومنها انه لا يرث من أحد لانعدام الملة والولاية ومنها انه تحبط أعماله لكن بنفس الردة عندنا وعند الشافعي رحمه الله بشريطة الموت عليها وهي مسألة كتاب الصلاة ومنها انه لا يجب عليه شئ من العبادات عندنا لان الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجب عليه وهي من مسائل أصول الفقه وأما الذي يرجع إلى ماله فثلاثة أنواع حكم الملك وحكم الميراث وحكم الدين أما الأول فنقول لا خلاف في أنه إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه ولا خلاف أيضا في أنه إذا مات أو قتل أو لحق بدار الحرب تزول أمواله عن ملكه واختلف في أنه تزول بهذه الأسباب مقصورا على الحال أم بالردة من حين ووجودها على التوقف فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ملك المرتد لا يزول عن ماله بالردة وإنما يزول بالموت أو القتل أو باللحاق بدار الحرب وعند أبي حنيفة رضي الله عنه الملك في أمواله موقوف على ما يظهر من حاله وعلى هذا الأصل بنى حكم تصرفات المرتد انها جائزة عندهما كما تجوز من المسلم حتى لو أعتق أو دبر أو كاتب أو باع أو اشترى أو وهب نفذ ذلك كله وعقدة تصرفاته موقوفة لوقوف أملاكه فان أسلم جاز كله وان مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطل كله ( وجه ) قولهما ان الملك كان ثابتا حالة الاسلام لوجود سبب الملك وأهليته وهي الحرية والردة لا تؤثر في شئ من ذلك ثم اختلفا فيما بينهما في كيفية الجواز فقال أبو يوسف رحمه الله جوازها جواز تصرف الصحيح وقال محمد رحمه الله جواز تصرفات المريض مرض الموت ( وجه ) قول محمد رحمه الله ان المرتد على شرف التلف لأنه يقتل فأشبه المريض مرض الموت وجه قول أبى يوسف ان اختيار الاسلام بيده فيمكنه الرجوع إلى الاسلام فيخلص عن القتل والمريض لا يمكنه دفع المرض عن نفسه فانى يتشابهان ( وجه ) قول أبي حنيفة رحمه الله انه وجد سبب زوال الملك وهو الردة لأنها سبب لوجوب القتل والقتل سبب لحصول الموت فكان زوال الملك عند الموت مضافا إلى السبب السابق وهو الردة لا يمكنه اللحاق بدار الحرب بأمواله لأنه لا يمكن من ذلك بل يقتل فيبقى ماله فاضلا عن حاجته فكان ينبغي ان يحكم بزوال ملكه للحال الا انا توقفنا فيه لاحتمال العود إلى الاسلام لأنه إذا عاد ترتفع الردة من الأصل ويجعل كان لم يكن فكان التوقف في الزوال للحال لاشتباه العاقبة فان أسلم تبين ان الردة لم تكن سببا لزوال الملك لارتفاعها من الأصل فتبين ان تصرفه صادف محله فيصح وان قتل أو مات أو لحق بدار الحرب تبين انها وقعت سببا للزوال من حين وجودها فتبين ان الملك كان زائلا من حين وجود الردة لان الحكم لا يتخلف عن سببه فلم يصادف التصرف محله فبطل فاما قبل ذلك كان ملكه موقوفا فكانت تصرفاته المبنية عليه موقوفة ضرورة وأجمعوا على أنه يصح استيلاده حتى أنه لو استولد أمته فادعى ولدها انه يثبت
بدائع الصنائع — Page 136 | أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (الكاشاني)