تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمراض القلوب وشفاؤها — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ وهم يسمعُونَ ويبكون وَكَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد إِذا اجْتَمعُوا أمروا وَاحِدًا مِنْهُم أَن يقْرَأ الْقُرْآن وَالْبَاقِي يَسْتَمِعُون وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ( صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ) مر بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ يقْرَأ فَجعل يستمع لقرَاءَته وَقَالَ لقد أُوتِيَ مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد وَقَالَ مَرَرْت بك البارحة وَأَنت تقْرَأ فَجعلت أستمع لقراءتك فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تسمع لحبرته لَك تحبيرا أَي لحسنته لَك تحسينا وَقَالَ زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ وَقَالَ الله أَشد أذنا إِلَى الرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من صَاحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته أذنا أَي استماعا كَقَوْلِه الانشقاق وأذنت لِرَبِّهَا وحقت أَي استمعت وَقَالَ ( صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ) مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ وَقَالَ لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَلِهَذَا السماع من المواجيد الْعَظِيمَة والأذواق الْكَرِيمَة ومزيد المعارف وَالْأَحْوَال الجسيمة مَالا يَسعهُ خطاب وَلَا يحويه كتاب كَمَا أَن فِي تدبر الْقُرْآن وتفهمه من مزِيد الْعلم وَالْإِيمَان مَالا يُحِيط بِهِ بَيَان وَمِمَّا يَنْبَغِي التفطن لَهُ أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابه آل عمرَان قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله قَالَ طَائِفَة من السّلف أدعى قوم على عهد النَّبِي ( صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ) أَنهم يحبونَ الله فَأنْزل الله هَذِه الآية قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله الْآيَة فَبين سُبْحَانَهُ أَن محبته توجب اتِّبَاع الرَّسُول وَأَن ابْتَاعَ الرَّسُول يُوجب محبَّة الله للْعَبد وَهَذِه محبَّة امتحن الله بهَا أهل دَعْوَى محبَّة الله فَإِن هَذَا الْبَاب يكثر فِيهِ الدَّعَاوَى والاشتباه وَلِهَذَا يرْوى عَن ذِي النُّون الْمصْرِيّ أَنهم تكلمُوا فِي مَسْأَلَة الْمحبَّة عِنْده فَقَالَ اسْكُتُوا عَن هَذِه الْمحبَّة لَا تسمعها النُّفُوس فتدعيها وَقَالَ بَعضهم من عبد الله بالحب وَحده فَهُوَ زنديق وَمن عبد الله بالخوف وَحده فَهُوَ حروري وَمن عَبده بالرجاء وَحده فَهُوَ مرجيء وَمن عَبده بالحب وَالْخَوْف والرجاء فَهُوَ مُؤمن موحد وَذَلِكَ لِأَن الْحبّ الْمُجَرّد تتبسط النُّفُوس فِيهِ حَتَّى تتسع فِي أهوائها إِذا لم يزعها وازع الخشية لله حَتَّى قَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى الْمَائِدَة نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه وَيُوجد فِي مدعى الْمحبَّة من مُخَالفَة الشَّرِيعَة مَالا يُوجد فِي أهل الخشية وَلِهَذَا قرن والخشية بهَا فِي قَوْله ق هَذَا مَا توعدون لكل أواب حفيظ من خشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بقلب منيب ادخلوها بِسَلام ذَلِك يَوْم الخلود وَكَانَ الْمَشَايِخ المصنفون فِي السّنة يذكرُونَ فِي عقائدهم مجانبة من يكثر دَعْوَى الْمحبَّة والخوض فِيهَا من غير خشيَة لما فِي ذَلِك من الْفساد الَّذِي وَقع فِيهِ طوائف من المتصوفة
أمراض القلوب وشفاؤها — صفحة 75 | ابن تيمية