لضرورة الدفاع ، وكذلك قال الشافعيُّ وأهل الظاهر وغيرهم ( 1 ) .
قال الشافعي ( 2 ) : « ذلك كالمشرك ، له أن يرميه بالنَّبل والنار والمنجنيق ، فإذا صار أسيراً في يديه لم يكن له أن يفعل ذلك به ، وكان له قتله بالسيف ، وكذلك له أن يرمي الصيد فيقتله ، فإذا صار في يديه لم يَقْتُلْه إلا بالذكاة التي هي أخفُّ عليه » .
وأمَّا من منعَ التخريبَ والقَطْعَ والتحريق وسائر ما ذُكر في الباب ، فيحتمل
أن يكون مستندهم في ذلك - والله أعلم - : عموم النَّهي عن الإفساد في الأرض ، وإتلاف المال في غير انتفاعٍ أَذنَ به الشرع ، ويحملون ما ثبتَ من التحريق والقطع في بني النضير ، وما نزل في ذلك من القرآن على أن ذلك خاصٌّ فيهم ، وربما تأول بعض المُتعسِّفين في ذلك : أنَّ قطعَ ما قُطع في بني النَّضير لم يكن على جهة التخريبِ والتنكيل ، وإنما اضطروا إليه ؛ لأن ذلك كان مجال ( 3 ) المقاتلة ، أو نحو هذا ، مما صرفوه به إلى الضرورة ، وكلُّ ذلك بعيدٌ ضعيفٌ ( 4 ) .
فصلٌ : في الأسرى وأحكامهم ، وما يجوز من التصرف فيهم
أجمع أهل العلم على جواز النكاية بالأسر في جميع الكفار عاماًّ ، في الرجال والنساء والذُّريَّة ، وعلى اختلاف أحوالهم ممن فيه أهلية القتال ، أو به عجزٌ عن ذلك ؛ كالمرضى والزَّمنَى وغيرهم ، إلا خلافاً في الرهبان المنقطعين في الصوامع والديارات ، وحيث ينفردون ، فلا يكون منهم أذىً بتدبيرٍ ولا غيره ؛ فذهب قومٌ إلى أنه لا يعرض لهم بأسر ، كما لا يعرض لهم بالقتل عندهم ، وهو قول مالك ،
ورأى مع ذلك أن تترك لهم أموالهم ولا يسلبوها ( 5 ) ، ثم اختلفوا بعد فيما يفعل
هامش
( 1 ) مضى ذكر أقوالهم ، وتوثيقها ، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصّالحات .
( 2 ) في « الأم » ( 4 / 274 - ط . دار الفكر ) .
( 3 ) كذا في الأصل والمنسوخ ، ولعلَّ صوابها : حال .
( 4 ) انظر تفصيل مذهب من منع التخريب حال المقاتلة ، ومناقشة أدلتهم مفصَّلاً : « قضايا فقهية في العلاقات الدولية » للدكتور حسن أبو غدة ( ص 27 - 42 ) .
( 5 ) انظر : « المدونة » ( 2 / 6 ) ، « التفريع » ( 1 / 362 ) ، « المعونة » ( 1 / 620 ) ، « النوادر والزيادات » =