العدد ( 1 ) من مادة العدو على الضِّعف بحال ، والحكمة في هذا ظاهرة في عُرْفِ القتال ؛ لأن الجموع إذا انتهت إلى هذا القدر ؛ لم يكن لمن زاد على ذلك أَثَرٌ في معالجة القتال ؛ لأنهم كلهم لا يتمكنون من الكرِّ والحمل والمجالدة ، بل لا يجدون مجالاً في الغالب ، قال النابغة - يَصِفُ عظم الجيش ، وتضييق بعضهم على بعض في النفوذ والسَّير - :
جَمْعاً يظلُّ به الفضاءُ مُعَضِّلاً . . . يَدَعُ الإكامَ كَأنَّهنَّ صَحارِي ( 2 )
فصار الزائدُ في محل اللقاء ، كأنه لم يكن ، إذْ لا أثر يوجد منه في المحاولة والمغالبة .
فإن قيل : إنهم وإن لم يتمكنوا كلهم من القتال ، فلهم من الغَناء أنَّ القَتْلَ إذا انْتَقَصَ شيئاً من عدد أصحابهم المقاتلين خَلَفه غيره ، فلا يزالون موفورين ،
وينقُص عدد الآخرين ، فلا يوجد من يَسُدُّ مكانه في القتال .
قيل : إذا نقصوا عن اثني عشر ألفاً بالقتل ونحوه ؛ لم يكن لمن بقي حكم الاثني عشر ألفاً ، وعلى ما ذهب إليه من ذلك أصحاب مذهب أبي حنيفة ( 3 ) هو ظاهر ما يروى عن مالكٍ ، حُكي عنه أنَّ سائلاً سأله ، فقال : أَيَسْعُنَا التخلُّف عن قتال من خرج عن أحكام الله - تعالى - ، وحكم بغيرها ؟ فقال له مالك : إن كان معك اثنا عشر ألفاً مِثْلكَ ؛ لم يَسعكَ التخلف ، وإلا فأنت في سَعَة ( 4 ) .
هامش
( 1 ) رَسَمها الناسخ : « الحدد » .
( 2 ) « ديوان النابغة » ( ص 105 - ط . دار الكتاب العربي ) .
المعضل : الضيِّق . والإكام : مرتفع من الأرض ، الواحدة ( أَكَمة ) .
وهو يصف قومه وكثرة عددهم ، فالمعنى : إن هؤلاء القومَ يضيقُ الفضاء بهم لكثرة عددهم ، وتصبح المرتفعات الوعرة أرضاً مستويةً كالصحراء ، بكثرة مرورهم بها .
( 3 ) انظر : « شرح السير الكبير » ( 1 / 89 ) ، « أحكام القرآن » ( 4 / 227 ) للجصاص ، « الفتاوى الهندية » ( 2 / 193 ) .
( 4 ) انظر : « الخرشي » ( 4 / 19 ) ، « حاشية الدسوقي » ( 2 / 178 ) ، وانظر توجيه الحديث في : « عون المعبود » ( 7 / 193 ) ، ورد ابن العربي في « العارضة » ( 7 / 44 - 45 ) الاستدلال بهذا الحديث بأنَّ =