تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
الجزاء في سورة العنكبوت ولا وقع فيه عطف جاءت جملة المدح غير معطوفة ليتناسب النظم والله أعلم . الآية الخامسة عشرة : قوله تعالى : " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم " وفى الجمعة : " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم " . للسائل أن يقول : إن مقصد الآيتين الإخبار بامتنانه تعالى على العرب بأن بعث فيهم رسولا منهم ولم يكن من غيرهم ثم اختلفت العبارة في البيان فقيل في الأولى " من أنفسهم " وفى الثانية " منهم " فيسأل عن وجه ذلك ؟ والجواب عن ذلك : أن قولك فلان من أنفس القوم أوقع في القرب من قولك فلان منهم فإن هذا قد يراد للنوعية فلا يتخلص لتقريب المنزلة والشرف إلا بقرينة أما " من أنفسهم " فأخص فلا يفتقر إلى قرينة ولذلك وردت حيث قصد النعريف بعظيم النعمة به - صلى الله عليه وسلم - على أمته وجليل إشفاقه وحرصه على نجاتهم ورأفته ورحمته بهم فقال تعالى : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " وقال تعالى فيمن كان على الضد من حال المؤمنين المستجيبين " ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه " فتأمل موقع قوله هنا " منهم " لما قصد أنه إنعام عليهم لم يوفقوا لمعرفة قدره ولا للاستجابة المثمرة النجاة فقيل هنا " منهم " فأما قوله صلى الله عليه وسلم : " سلمان منا أهل البيت " بأنه لما لم يكن رضي الله عنه من قريش وأراد عليه السلام تقريبه وتشريفه عبر بما يعطى ذلك ولا يخص خصوص قوله : من أنفسنا وإنما تخلص لحرف الخصوصية بقرينة قوله عليه السلام " سلمان منا أهل البيت " وأما قوله عليه السلام في فاطمة " إنما هي بضعة منى " فقد تحصل فيه أتم خصوص من وجهين : أحدهما قوله عليه السلام " منى " وهذا أخص من قوله عليه السلام " منا " فتأمله فهو مناف للشياع الداخل في قوله " منا " والثاني قوله " بضعة " فجعلها عليه السلام جزءا منه وذلك أعلى خصوص . وأما قوله عليه السلام " مولى القوم منهم " فالمراد منه تقريب الولاء من النسب وليس من أنفسهم وقد تقدم أن قوله " من أنفسهم " في مقابلة " منهم " وأن " منا " دونه في الشياع و " منى " أخص وأبعد في الشياع فتأمل هذا ولما كان لفظ الآيتين يتناول قريشا وغيرهم من العرب ممن ليس من أهل الكتاب قيل " منهم " فناسب هذه الكناية بما فيها من الشياع الذي مهدناه عموم المؤمنين من العرب ممن أسلم ومن لم يسلم ولما قال في آية آل عمران : " لقد من الله على المؤمنين " فخص من أسلم ناسب ذلك قوله " من أنفسهم " لخصوصه كما تقدم ولم يكن العكس ليناسب والله أعلم .
ملاك التأويل — صفحة 93 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي