تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠

سورة الأنعام

الآية الأولى منها قوله تعالى : " فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " وفى سورة الشعراء : " فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " فانفردت آية الأنعام بزيادة قوله " بالحق لما جاءهم " وبقوله " فسوف " من حرفى التنفيس بدل السين فيسأل عن وجه ذلك ؟ والجواب والله أعلم : أن آية الأنعام لما ترتبت على إطناب وبسط آيات من حمده سبحانه وانفراده بالخلق والاختراع فقال تعالى : " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " فذكر سبحانه خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور فالظلمات عن أجرام هذه المخلوقات والأنوار عن أجرام ما جعل في السماوات وزينها بها من شمس وقمر وكواكب للقتداء والضياء . ثم ذكر خلقهم كم طين وقد تردد في الكتاب العزيز تنبيه المكلفين بما صدرت به سورة الأنعام فقال تعالى : " إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " وقال تعالى : " تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا " . ثم قال بعد آية الأنعام : " وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين " فلما تقدم هذا الإطناب ناسبه ما أتبع به من قوله تعالى : " فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون " فناسب الإطناب الإطناب . وقال تعالى قبل آية الشعراء : " تلك آيات الكتاب المبين " ثم اعترض بتسلية نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : " لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " وليس هذا المعترض به مما ذكروا به ثم قال بعد : " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " وهذا راجع إلى تسليته عليه السلام فلم يبق مجردا لتذكيرهم سوى قوله تعالى : " تلك آيات الكتاب المبين " وما بعد من وعيدهم وتهديهم بقوله : " وما يأتيهم من ذكر . . " الآية ، وهذا إيجاز فناسبه ما نيط به من قولهم : " فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " إيجازا لإيجازا وإطنابا لإطناب . الآية الثانية : قوله تعالى : " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم
ملاك التأويل — صفحة 140 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي