يشْهد بَان ذَلِك تَعْلِيل مُنَاسِب للعقول وَلذَلِك قبله أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم ينكروه وهم أوفر عقولا وَأَصَح اذهانا وَأسلم من تغير الْفطْرَة الَّتِي فطر الله خلقه عَلَيْهَا وَعند الْخصم ان ذَلِك التَّعْلِيل غير مُنَاسِب وَأَنه ونقيضه سَوَاء مثل أَن يؤلمهم الله فِي الدُّنْيَا ليعاقبهم على آلامهم فِي الْآخِرَة فان اعْترف بِالْفرقِ لزمَه مُنَاسبَة الأول الَّذِي جَاءَت بِهِ السّنة وَتَلَقَّتْهُ الصَّحَابَة بِالْقبُولِ وان ادّعى انهما سَوَاء فقد عاند وجنى على المسموع والمعقول فَكيف يتْرك النّظر فِي ذَلِك كُله عَالم من عُلَمَاء الاسلام ويعارضه بقوله أما كَانَ فِي قدرَة رب الْعَالمين ان يحسن إليهم عوضا عَن تعذيبهم
وَجَوَاب أهل الْحق على من ابتلى بِهَذِهِ الوساوس هُوَ قَوْله تَعَالَى { فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال إِن الله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ } وَذَلِكَ أَن الأنظار الْعَقْلِيَّة انما تورد على الْعِلَل الْعَقْلِيَّة وَأما الْعِلَل السمعية فإنها صدرت عَمَّن يعلم مَا لَا نعلم وليت شعري إذا أنكر الْخُصُوم هَذَا الْمَعْنى مَا يكون تَفْسِير الْعلم الَّذِي خص الله تَعَالَى بِهِ الْخضر دون مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَقد أوضح الله تَعَالَى أَنه علم الْحِكْمَة الْخفية فِي مثل ذَلِك
وَقد أجَاب بعض الْمُتَكَلِّمين بِجَوَاب مُنَاسِب فَقَالَ ان الثَّوَاب على هَذِه الأشياء جُزْء من الْحِكْمَة الْمُسَمَّاة بِالْعِلَّةِ فِي عرف الْمُتَكَلِّمين وَلَيْسَ هُوَ كلهَا والجزء الثَّانِي هُوَ الِاعْتِبَار بذلك وَهَذَا معنى مُنَاسِب وَقد ورد مَا يدل عَلَيْهِ من الحَدِيث وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَافِظ ابْن كثير من طرق فِي خلق آدم من أول الْجُزْء الأول من الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ان الله لما أخرج ذُرِّيَّة آدم ورآهم آدم رأى فيهم الْغنى وَالْفَقِير وَالصَّحِيح والسقيم فَقَالَ يَا رب هلا سويت بَين ذريتي فَقَالَ تَعَالَى اني أردْت أَن تشكر نعمتي إلى غير ذَلِك وَكفى بقوله تَعَالَى { وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم } وَفِي آيَة أُخْرَى { فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا } وَهِي شاهدة لقَوْل أهل المعقولات انه لَا يكون فِي مخلوقات الله تَعَالَى مَا هُوَ شَرّ مَحْض من جَمِيع
إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى مذهب الحق من أصول التوحيد — صفحة 210
مساهمون: محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
ص٢١٠