تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وَهِيَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْبِرُّ كَفِعْلِ الْفَرَائِضِ وَمَنْعِ الْمَعَاصِي ، وَنَوْعٌ يَجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ كَفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ ، وَنَوْعٌ الْحِنْثُ فِيهِ خَيْرٌ
شرح
الْمَاضِي مِثْلُ قَوْلِهِ : وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا . وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ، أَوْ وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا . وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَالْحَالُ أَنْ يَقُولَ : وَاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ دَيْنٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ ، فَهَذِهِ الْيَمِينُ لَا تَنْعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « خَمْسٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَبَهْتُ الْمُسْلِمِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ » ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ » ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْكَفَّارَةَ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَذَكَرَهَا تَعْلِيمًا ، أَوْ نَقُولُ : لَوْ كَانَ لَهَا كَفَّارَةٌ لَمَا دَعَتِ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ اسْمٌ لِمَا يَسْتُرُ الذَّنْبَ فَتَرْفَعُ إِثْمَهُ وَعُقُوبَتَهُ كَغَيْرِهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَلِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ بِالْحَدِيثِ ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ لِأَنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِقَوْلِهِ : { بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ } [ المائدة : 89 ] وَالْعَقْدُ مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَاضِي . وَأَمَّا اللَّغْوُ كَقَوْلِهِ : وَاللَّهِ مَا دَخَلْتُ الدَّارَ ، أَوْ مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا يَظُنُّهُ كَذَلِكَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ ، وَيَكُونُ فِي الْحَالِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ : وَاللَّهِ إِنَّ الْمُقْبِلَ لَزَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } [ المائدة : 89 ] . وَحَكَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ : لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ قَطْعًا ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَسَّرَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا غَيْرُهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الرَّجَاءَ عَلَى وَجْهَيْنِ : رَجَاءُ طَمَعٍ ، وَرَجَاءُ تَوَاضُعٍ ، فَجَازَ أَنَّ مَحَمَّدًا ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ . وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ : لَا يَكُونُ اللَّغْوُ إِلَّا فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ . وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ الْكَرْخِيُّ فَقَالَ : مَا كَانَ الْمَحْلُوفُ بِهِ هُوَ الَّذِي يُلْزِمُهُ بِالْحِنْثِ فَلَا لَغْوَ فِيهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَغَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ قَوْلُهُ وَاللَّهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَلْغُو الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَيَبْقَى قَوْلُهُ : امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ أَوْ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَيَلْزَمُهُ . ( وَ ) أَمَّا الْمُنْعَقِدَةُ ( فَهِيَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْبِرُّ كَفِعْلِ الْفَرَائِضِ وَمَنْعِ الْمَعَاصِي ) لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَيَتَأَكَّدُ بِالْيَمِينِ ، ( وَنَوْعٌ يَجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ كَفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ ) ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « مَنْ حَلَفَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنَ حَلَفَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ » . ( وَنَوْعٌ الْحِنْثُ فِيهِ خَيْرٌ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 47 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة