بالإزالة والمولى يطلق على المعتق من أعلى وعلى العتيق أيضًا لكن من أسفل وهل ذلك حقيقة فيهما أو في الأعلى أو في الأسفل ؟ أقوال مشهورة . وذكر ابن الأثير في النهاية أن اسم المولى يقع على معان كثيرة وذكر منها ستة عشر معنى وهي : الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمنعم عليه والمعتق . قال : وأكثرها قد جاء في الحديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه وكل من ولي أمرًا وقام به فهو مولاه ووليه ، وتختلف مصادر هذه الأسماء فالولاية بالفتح في النسب
والنصرة والعتق والولاية بالكسر في الإمارة والولاء في العتق والموالاة من والى القوم ( فذكرت عائشة ) - رضي الله عنها - ( للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حذف المفعول أي ذلك ( فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) :
( اشتريها ) ، منهم على ما يقصدون من اشتراط كون الولاء لهم ، واستشكل هذا لأن المقرر أنه لو شرط مع العتق الولاء لم يصح البيع لمخالفته نص الشارع أن الولاء لمن أعتق . وأجيب : بأن الشرط لم يقع في العقد وبأنه خاص بقصة عائشة هذه لمصلحة قطع عادتهم كما خص فسخ الحج إلى العمرة بالصحابة لمصلحة بيان جوازها في أشهره ( فإنما الولاء لمن أعتق ) أي فلا تبالي سواء شرطيته أم لا فإنه شرط باطل وكلمة " إنما " هنا للحصر لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمن لم يعتق ، لكن هذه الكلمة ذكرت في الحديث لبيان نفيه عمن لم يعتق فدل على أن مقتضاها الحصر قاله ابن دقيق العيد .
( قالت : ) عائشة - رضي الله عنها - ( وأتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول النبي رفع نائب عن الفاعل ( بلحم ، فقلت : هذا ما ) ولأبي الوقت : مما ( تصدق به ) بضم أوله وثانيه ( على بريرة ، فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( هو ) أي اللحم المتصدق به على بربرة ( لها صدقة ولنا هدية ) . قال ابن مالك : يجوز في صدقة الرفع على أنه خبر هو ولها صفة قدّمت فصارت حالاً كقوله :
والصالحات عليها مغلقًا باب
فلو قصد بقاء الوصفية لقيل والصالحات عليها باب مغلق ، وكذا الحديث لو قصدت فيه الوصفية بلها لقيل هو صدقة لها ويجوز النصب فيها على الحال والخبر لها اه - .
والصدقة منحة لثواب الآخرة والهدية تمليك الغير شيئًا تقربًا إليه إكرامًا له ففي الصدقة نوع ذل للآخذ فلذلك حرمت الصدقة عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دون الهدية ، وقيل لأن الهدية يثاب عليها في الدنيا فتزول المنة والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فتبقى المنة ولا ينبغي لنبي أن يمن عليه غير الله . وقال البيضاوي : إذا تصدق على المحتاج بشيء ملكه وصار له كسائر ما يملكه فله أن يهدي به غيره كما له أن يهدي سائر أمواله بلا فرق . وهذا موضع الترجمة لأن بريرة من جملة موليات عائشة وتصدق عليها .
وهذا الحديث قد سبق في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد ، وقد أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الكفارت وفي الطلاق والفرائض ، والنسائي في الزكاة والطلاق .
62 - باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ
هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا تحولت الصدقة ) أي عن كونها صدقة بأن دخلت في ملك المتصدق عليه يجوز تناول الهاشمي لها ، ولأبي ذر : إذا حولت بضم الحاء وحذف التاء مبنيًا للمفعول .
1494 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ - رضي الله عنها - قَالَتْ : " دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ ؟ فَقَالَتْ : لاَ ، إِلاَّ شَىْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ . فَقَالَ : إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا " .
وبالسند قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا يزيد بن زريع ) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا ويزيد من الزيادة قال : ( حدّثنا خالد ) الحذاء ( عن حفصة بنت سيرين ) أخت محمد بن سيرين سيدة التابعيات ( عن أم عطية ) نسيبة ( الأنصارية - رضي الله عنها - ) أنها ( قالت : دخل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عائشة - رضي الله عنها - فقال ) :
( هل عندكم شيء ) من الطعام ؟ ( فقالت : لا ) شيء من الطعام عندنا ( إلا شيء بعثت به إلينا ) أم عطية ( نسيبة ) بضم النون وفتح السين المهملة والموحدة بينهما تحتية ساكنة ، والجملة من فعل وفاعل صفة لشيء وكلمة " من " في قوله ( من الشاة ) للبيان والدلالة على التبعيض ( التي بعثت بها ) أتت لها ( من الصدقة . فقال ) عليه الصلاة والسلام ( إنها ) أي الصدقة ( قد بلغت محلها ) بكسر الحاء أي وصلت إلى الموضع الذي تحل وذلك أنه لما تصدق بها على نسيبة صارت ملكًا لها فصح لها
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 77
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٧٧