إظهار الاستغناء عن الخلق لكن إن أعطي شيئًا لم يردّه يملأ الله قلبه غنى ومن فاز بالقدح المعلى وتصبر وإن أعطي لم يقبل فهو هو إذ الصبر جامع لمكارم الأخلاق . ( يصبره الله ) يرزقه الله الصبر ( وما أُعطيَ أحد ) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول وأحد رفع نائب عن الفاعل ( عطاء ) نصب مفعول ثان لأعطي ( خيرًا ) صفة عطاء ( وأوسع ) عطف على خيرًا ( من الصبر ) لأنه جامع لكارم الأخلاق أعطاهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحاجتهم ثم نبههم على موضع الفضيلة .
1470 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْأَلَهُ ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ » . [ الحديث 1470 - أطرافه في : 1480 ، 2074 ، 2374 ] .
وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي قال : ( أخبرنا مالك ) الإمام ( عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) :
( و ) الله ( الذي نفسي بيده ) إنما حلف لتقوية الأمر وتأكيده ( لأن يأخذ ) بلام التأكيد ( أحدكم حبله ) وفي رواية أحبله بالجمع ( فيحتطب ) بتاء الافتعال . وفي مسلم فيحطب بغير تاء أي فإن يحتطب أي يجمع الحطب ( على ظهره ) فهو ( خير له ) وليست خير هنا من أفعل التفضيل بل هي كقوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقرًّا } [ الفرقان : 24 ] ( من أن يأتي رجلاً ) أعطاه الله من فضله
( فيسأله ، أعطاه ) فحمله ثقل المنة مع ذل السؤال ( أو منعه ) فاكتسب الذل والخيبة والحرمان أعاذنا الله من كل سوء .
1471 - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ » . [ الحديث 1471 - طرفاه في : 2075 ، 3373 ] .
وبه قال : ( حدّثنا موسى ) بن إسماعيل التبوذكي قال : ( حدّثنا وهيب ) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد قال : ( حدّثنا هشام عن أبيه ) عروة ( عن الزبير ) أبيه ( ابن العوّام - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) :
( لأن يأخذ أحدكم حبله ) بالإفراد أيضًا واللام في لأن ابتدائية أو جواب قسم محذوف ( فيأتي بحزمة الحطب ) بالتعريف وحزمة بضم المهملة وسكون الزاي ، ولأبي ذر : بحزمة حطب ( على ظهره فيبيعها فيكفّ ) بنصب الفعلين ( الله ) أي فيمنع الله ( بها وجهه ) ، من أن يريق ماءه بالسؤال قاله المظهري ، ومن فوائد الاكتساب الاستغناء والتصديق كما في مسلم فيتصدق به ويستغني عن الناس فهو ( خير له من أن يسأل الناس ) أي من سؤال الناس ولو كان الاكتساب بعمل شاق كالاحتطاب ، وقد روي عن عمر فيما ذكره ابن عبد البر مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس ( أعطوه ) ما سأل ( أو منعوه ) . وفي الحديث فضيلة الاكتساب بعمل اليد وقد ذكر بعضهم أنه أفضل المكاسب .
وقال الماوردي : أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصناعة . قال : ومذهب الشافعي أن التجارة أطيب والأشبه عندي أن الزراعة أطيب لأنها أقرب إلى التوكل .
قال النووي في شرح المهذّب في صحيح البخاري ، عن المقدام بن معد يكرب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده " الحديث . فالصواب ما نص عليه الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو عمل اليد ، فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب وأفضلها لأنه عمل يده ولأن فيه توكلاً كما ذكره الماوردي ولأن فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدواب ، ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منه بغير عوض فيحصل له أجره وإن لم يكن ممن يعمل بيده بل يعمل له غلمانه وأجزاؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل لما ذكرنا .
وقال في الروضة ، بعد حديث المقدام هذا : فهذا صريح في ترجيح الزراعة والصنعة لكونهما من عمل يده ، ولكن الزراعة أفضلهما لعموم النفع بها للآدمي وغيره وعموم الحاجة إليها والله أعلم . وغاية ما في هذا الحديث تفضيل الاحتطاب على السؤال وليس فيه أنه أفضل المكاسب فلعله ذكره لتيسره لا سيما في بلاد الحجاز لكثرة ذلك فيها .
1472 - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَانِي ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ : يَا حَكِيمُ ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ . الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى . قَالَ حَكِيمٌ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا . فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ . ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تُوُفِّيَ " . [ الحديث 1472 - أطرافه في : 2750 ، 3143 ، 6441 ] .
وبه قال : ( حدّثنا عبدان ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال : ( أخبرنا عبد الله ) بن المبارك قال : ( أخبرنا يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ) ابن شهاب ( الزهري عن عروة بن الزبير ) بن العوام ( وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام ) بفتح الحاء المهملة في الأول وكسرها في الثاني وتخفيف الزاي المعجمة ( - رضي الله عنه - قال : سألت رسول الله
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 60
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٦٠