العين وسكون الذال المعجمة وهو ما يطرأ على المكلف يقتضي التسهيل قال البرماوي كالكرماني ولعله المراد به هنا نوع منه كالمرض ليصح عطف ( أو غير ذلك ) عليه أي من مرض أو نفاد نفقة ولأبي ذر : حبسه عدوّ من العداوة ( فإنه يحل ) من إحرامه ( ولا يرجع ) أي لا يقضي وهذا في النفل . أما الفرض فإنه ثابت في ذمته فيرجع لأجله في سنة أخرى ، والفرق بين حج النفل الذي يفسد بالجماع الواجب قضاؤه وبين النفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار التقصير وعدمه وقال الحنفية : إذا تحلل لزمه القضاء سواء كان فرضًا أو نفلاً ( وإذا كان معه هدي وهو محصر نحره ) حيث أحصر من حل أو حرم ( إن كان لا يستطيع أن يبعث ) زاد في رواية أبوي ذر والوقت : به أي بالهدي إلى الحرم ( وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ) يوم النحر وقال أبو حنيفة : لا يذبحه إلا في الحرم لأن دم الإحصار قربة والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان فلا تقع قربة دونه فلا يقع به التحلل وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } [ البقرة : 196 ] فإن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم .
( وقال : مالك ) إمام الأئمة ( وغيره ينحر هديه ويحلق ) رأسه ( في أي موضع ) ولابن عساكر : في المواضع ( كان ) الحصر وهو مذهب الشافعية فلا يلزمه إذا أحصر في الحل أن يبعث به إلى الحرم ( ولا قضاء عليه لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلّوا من كل شيء ) من محظورات الإحرام ( قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ) أي : ولا طواف ولا وصول هدي إلى البيت ( ثم لم يذكر ) بضم أوّله وفتح الكاف مبنيًا للمفعول ( أن النبي " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أمر أحدًا ) من أصحابه ممن كان معه ( أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا له ) وكلمة " لا " زائدة كهي في قوله : ما منعك أن لا تسجد ( والحديبية خارج من الحرم ) وهذا يشبه ما قرأته في كتاب المعرفة للبيهقي عن الشافعي وعبارته قال الشافعي : قال الله تعالى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا
{ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } [ البقرة : 196 ] قال : فلم أسمع ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فحال المشركون بينه وبين البيت ، وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر بالحديبية وحلق ورجع حلالاً ولم يصل إلى البيت ولا أصحابه إلا عثمان بن عفان وحده ، ثم قال : ونحر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحل ، وقيل نحر في الحرم قال الشافعي : وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم لأن الله تعالى يقول : { وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } [ الفتح : 25 ] والحرم كله محله عند أهل العلم .
قال الشافعي : فحيثما أحصر ذبح شاة وحل قال الشافعي : فيمن أحصر بعدوّ لا قضاء عليه فإن كان لم يحج حجة الإسلام فعليه حجة الإسلام من قبل قول الله تعالى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } ولم يذكر قضاء قال الشافعي : والذي أعقل من أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت من ظاهر الآية ، وذلك أنا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم أنه قد كان مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الحديبية رجال معروفون بأسمائهم ، ثم اعتمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمرة القضية وتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال علمته ، ولو لزمهم القضاء لأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن شاء الله بأن لا يتخلفوا عنه .
1813 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ : " إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ - ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ : مَا أَمْرُهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ . فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا أَمْرُهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا . وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ ، وَأَهْدَى " .
وبالسند قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أويس قال : ( حدثني ) بالإفراد ( مالك ) الإمام ( عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : حين خرج ) أي حين أراد أن يخرج ( إلى مكة معتمرًا في الفتنة ) حين نزول الحجاج لقتال ابن الزبير ( إن صددت ) أي منعت ( عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأهلّ ) أي فرفع ابن عمر صوته بالإهلال ( بعمرة ) من ذي الحليفة أو من المدينهّ وأظهرها بذي الحليفة ( من أجل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أهلّ بعمرة عام الحديبية ثم إن
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 286
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٢٨٦