واستأذن ثم دخل عليها ، فوجدها قاعدة تبكي فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ( قالت : كنت أريده ) أي : الدفن معهما ( لنفسي ) .
فإن قلت قولها : كنت أريده لنفسي يدل على أنه لم يبق إلا ما يسع موضع قبر واحد ، فهو يغاير قولها السابق لابن الزبير : لا تدفني معهم ، فإنه بقي من الحجرة موضع للدفن .
أجيب : بأنها كانت أولاً تظن أنها كانت لا تسع إلا قبرًا واحدًا ، فلما دفن ظهر لها أن هناك وسعًا لقبر آخر .
( فَلأُوثِرَنَّهُ ) بالثاء المثلثة أي فلأختاره ( اليوم ) بالنصب على الظرفية ( على نفسي ) . فإن قيل : قد ورد أن الحظوظ الدينية لا إيثار فيها ، كالصف الأول ونحوه ، فكيف آثرت عائشة ، رضي الله عنها ؟
أجاب ابن المنير : بأن الحظوظ المستحقة بالسوابق ينبغي فيها إيثار أهل الفضل ، فلما علمت عائشة فضل عمر آثرته كما ينبغي لصاحب المنزل إذا كان مفضولاً أن يؤثر بفضل الإمامة من هو أفضل منه إذا حضر منزله ، وإن كان الحق لصاحب المنزل . اه - .
( فلما أقبل ) زاد في المناقب ، قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، قال : ارفعوني ، فأسنده رجل إليه ( قال له : ما لديك ) أي : ما عندك من الخبر ( قال : أذنت لك ) بالدفن مع صاحبيك ( يا أمير المؤمنين . قال ) زاد في المناقب : الحمد لله ( ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع ) بفتح الجيم وكسرها في اليونينية ( فإذا قبضت ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول ( فاحملوني ، ثم سلموا ، ثم قل ) يا ابن
عمر : ( يستأذن عمر بن الخطاب ، فإن أذنت لي فاْدفنوني ) بهمزة وصل وكسر الفاء ( وإلا ) أي : وإن لم تأذن ( فردوني إلى مقابر المسلمين ) جوّز عمر أن تكون رجعت عن إذنها .
واستنبط منه أن : من وعد بعدة له الرجوع فيها ، ولا يقضى عليه بالوفاء لأن عمر لو علم لزوم ذلك لها لم يستأذن ثانيًا . وأجاب من قال بلزوم العدة بحمل ذلك من عمر على الاحتياط ، والمبالغة في الورع ، ليتحقق طيب نفس عائشة بما أذنت فيه ، أولاً ليضاجع أكمل الخلق ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، على أكمل الوجوه اه - .
وهذا كله بناء على القول بأن عائشة كانت تملك أصل رقبة البيت ، والواقع بخلافه ، لأنها إنما كانت تملك المنفعة بالسكنى والإسكان فيه ، ولا يورث عنها . وحكم أزواجه عليه الصلاة والسلام كالمعتدات ، لأنهن لا يتزوجن بعده ، عليه الصلاة والسلام .
ودخل الرجال على عمر ، رضي الله عنه . فقالوا : أوص يا أمير المؤمنين ، استخلف . فقال : ( إني لا أعلم أحدًا أحق بهذا الأمر ) أمر الخلافة ( من هؤلاء النفر ، الذين توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو عنهم راض ) جملة حالية ( فمن استخلفوا ) أي : من استخلفه هؤلاء النفر ( بعدي فهو الخليفة ) المستحق لها ( فاسمعوا له وأطيعوا ، فسمى ) ستة من النفر الذين توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو عنهم راض : ( عثمان ، وعليًا ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ) . ولم يذكر : أبا عبيدة لأنه كان قد مات ، ولا سعيد بن زيد ، لأنه كان غائبًا . وقال في فتح الباري : لأنه كان ابن عم عمر ، فلم يذكره مبالغة في التبري من الأمر . نعم ، في رواية المدائني : أن عمر عده فيمن توفي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو عنهم راض إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه .
( وولج عليه ) أي : دخل على عمر ( شاب من الأنصار ) روى ابن سعد ، من رواية سماك الحنفي ، أن ابن عباس أثنى على عمر ، وأنه قال : نحوًا مما يأتي ، من مقالة الشاب ، فلولا قوله هنا : إنه من الأنصار لساغ أن يفسر المبهم بابن عباس . لكن ، لا مانع من تعدد المثنين عليه ، مع اتحاد جواب عمر لهم : ( فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله ، كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت ) بفتح القاف من " القَدم " أي : سابقة خير ، ومنزلة رفيعة .
وسميت قدمًا لأن السبق بها ، كما سميت النعمة يدًا ، لأنها تعطى باليد ، وللحموي والمستملي ، كما في الفرع ، من القدم ، بكسر القاف بمعنى : المفتوح . قال في القاموس : القدم : محركة ، السابقة في الأمر ، كالقدمة بالضم وكعنب . وقال الحافظ ابن حجر : بالفتح بمعنى : الفضل ، وبالكسر ، بمعنى : اللسبق . اه - .
وقال البرماوي والعيني
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 478
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٤٧٨