إلى الفعل الذي هو غير
موجب ، فتجعله موجبًا وتدخل عليه : إن الشرطية ، وتجعل الفاء وما بعدها من الفعل جوابًا ، كما تقول في قوله تعالى : { وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي } [ طه : 81 ] أن تطغوا فيه ، فحلول الغضب حاصل ، وفي قوله : ما تأتينا فتحدّثنا ، إن تأتنا ، فالحديث واقع وهنا إذا قلت : إن يمت لمسلم ثلاثة من الولد فولوج النار حاصل ، لم يستقم .
قال الطيبي وكذا الشيخ أكمل الدين : فالفاء هنا بمعنى الواو التي للجمع ، وتقديره : لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار . انتهى .
وأجاب ابن الحاجب ، والدماميني ، واللفظ له : بأنه يجوز النصب بعد الفاء الشبيهة بفاء السببية بعد النفي ، مثلاً ، وإن لم تكن السببية حاصلة ، كما قالوا في أحد وجهي : ما تأتينا فتحدّثنا ، إن النفي يكون راجعًا في الحقيقة إلى التحديث لا إلى الإتيان ، أي : ما يكون منك إتيان يعقبه حديث ، وإن حصل مطلق الإتيان .
كذلك هنا أي : لا يكون موت ثلاثة من الولد يعقبه ولوج النار ، فيرجع النفي إلى القيد خاصة ، فيحصل المقصود ضرورة إن مس النار إن لم يكن يعقب موت الأولاد وجب دخول الجنة ، إذ ليس بين النار والجنة منزلة أخرى في الآخرة .
ولم يقيد الأولاد في هذا الحديث ، كغيره ، بكونهم لم يبلغوا الحنث ، وحينئذ فيكون قوله ، فيما سبق : لم يبلغوا الحنث ، لا مفهوم له ، كما مر .
وزاد في رواية غير الأربعة هنا ، قال أبو عبد الله ، أي : البخاري ، مستشهدًا لتقليل مدة الدخول : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا } [ مريم : 71 ] داخلها دخول جواز لا دخول عقاب ، يمر بها المؤمن ، وهي خامدة وتنهار بغيرهم .
روى النسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعًا : الورود الدخول ، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا .
وقيل : ورودها الجواز على الصراط ، فإنه ممدود عليها ، رواه الطبراني وغيره ، من طريق بشر بن سعيد ، عن أبي هريرة ، ومن طريق كعب الأحبار ، وزاد يستوون كلهم على متنها ، ثم ينادي مناد : أمسكي أصحابك ، ودعي أصحابي ، فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم .
وحديث الباب أخرجه مسلم في : الأدب ، والنسائي في : التفسير ، وابن ماجة في : الجنائز .
وحديث شريك مقدم على حديث مسلم في رواية أبي ذر .
7 - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ : اصْبِرِي
( باب قول الرجل للمرأة ) شابة أو عجوزًا ( عند القبر : اصبري )
1252 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ : اتَّقِي اللَّهَ ، وَاصْبِرِي " . [ الحديث 1252 - أطرافه في : 1283 ، 1302 ، 7154 ] .
وبالسند قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج قال : ( حدّثنا ثابت ) البناني ( عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال ) :
( مر النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بامرأة عند قبر ، وهي ) والحال أنها ( تبكي ، فقال ) لها :
( اتقي الله ) بأن لا تجزعي ، فإن الجزع يحبط الأجر ، ( واصبري ) فإن الصبر يجزل الأجر . قال الله تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] وفيه إشارة إلى أن عدم الصبر ينافي التقوى .
وقد أخرجه أيضًا في : الجنائز ، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي .
8 - باب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ
وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَحَمَلَهُ ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - : الْمُسْلِمُ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا . وَقَالَ سَعْدٌ : لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « الْمُؤْمِنُ لاَ يَنْجُسُ » .
( باب غسل الميت ) وهو فرض كفاية ( ووضوئه ) أي : الميت ، وهو سنة . أو الضمير فيه للغاسل لا للميت ؛ وكأنه انتزع الوضوء من مطلق الغسل ، لأنه منزل على المعهود في غسل الجنابة ، وقد تقرر عندهم الوضوء فيه ( بالماء والسدر ) متعلق بالغسل بأن يخلطا ويغسل بهما للتنظيف ، فلا يحسب عن الواجب للتغير .
( وحنط ابن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما ) بالحاء المهملة وتشديد النون ( ابنًا لسعيد بن زيد ) ، أحد العشرة المبشرة بالجنة ، المتوفى سنة إحدى وخمسين ، واسم ابنه هذا : عبد الرحمن ، أي : طيبه بالحنوط ، وهو كل شيء خلطته من الطيب للميت خاصة ( وحمله وصلّى ) عليه ( ولم يتوضأ ) ، ولو كان الميت نجسًا لم يطهره الماء والسدر ، ولا الماء وحده ، ولما مسه ابن عمر ولغسل ما مسه من أعضائه .
وهذا وصله مالك في الموطأ عن نافع : أن عبد الله بن عمر حنط فذكره .
( وقال ابن عباس رضي الله عنهما ) مما وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح : ( المسلم لا ينجس ) بضم الجيم وفتحها ( حيًّا ولا ميتًا ) وقد رواه مرفوعًا ، الدارقطني ، والحاكم .
( وقال سعد ) أي : ابن أبي وقاص ، كما أخرجه ابن أبي شيبة ، من طريق عائشة بنت سعد ، وللأصيلي وأبي الوقت : وقال سعيد ، بزيادة ياء . قال الحافظ ابن حجر ، والأول أولى ، كما أخرجه ابن أبي شيبة ، لما غسل سعيد بن زيد بن عمرو بالعقيق وحنطه وكفنه : ( لو كان نجسًا ما مسسته ) بكسر الجيم والسين
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 383
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٣٨٣