ورد بعد الحظر ، لأن ذلك لا يستلزم عدم الوجوب ، بل الإجماع هو الدال على أن الأمر المذكور للإباحة .
والذي يترجح أن في قوله : انتشروا ، وابتغوا ، إشارة إلى استدراك ما فاتكم من الذي انفضضتم إليه ، فلينحل إلى أنها قضية شرطية ، أي : من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها ، زمان يحصل فيه ما يحتاج إليه في أمر دنياه ومعاشه ، فلا يقطع العبادة لأجله ، بل يفرغ منها ، ويذهب حينئذ ليحصل حاجته .
وقيل : هو في حق من لا شيء عنده ذلك اليوم ، فأمره بالطلب ، بأي صورة اتفقت ، ليفرح عياله ذلك اليوم لأنه يوم عيد .
وعن بعض السلف : من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة . وفي حديث أنس مرفوعًا : { وابتغوا من فضل الله } ليس لطلب دنياكم ، وإنما هو عيادة مريض ، وحضور جنازة ، وزيارة أخ في الله .
938 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ : " كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا ، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ . وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا ، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ " . [ الحديث 938 - أطرافه في : 939 ، 941 ، 2349 ، 5403 ، 6248 ، 6279 ] .
وبالسند قال : ( حدّثنا ) بالجمع ، ولأبوي ذر ، والوقت : حدّثني ، ( سعيد بن أبي مريم ) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي ، مولاهم ، البصري ( قال : حدّثنا أبو غسان ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المثقلة ، محمد بن مطر المدني ، ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( أبو حازم ) بالحاء والزاي ، سلمة بن دينار ( عن سهل بن سعد ) هو ابن مالك الأنصاري الساعدي ، وسقط في رواية
غير أبي ذر : ابن سعد ( قال : كانت فينا امرأة ) لم يعرف اسمها ( تجعل ) بالجيم والعين ، ولأبي ذر ، والأصيلي ، عن الكشميهني : تحقل ، بالحاء المهملة والقاف المكسورة ، وزاد في اليونينية : وبالفاء ، أي : تزرع ( على أربعاء ) بكسر الموحدة ، جدول أو ساقية صغيرة تجري إلى النخل ، أو النهر الصغير لسقي الزرع ( في مزرعة لها ) بفتح الراء ، وحكي تثليثها ( سلقًا ) بكسر المهملة وسكون اللام ، منصوب على المفعولية ، لتجعل أو تحقل ، على الروايتين ، ولأبي ذر ، وعزاها القاضي عياض للأصيلي ، كما في اليونينية : سلق بالرفع .
وهو يرد على العيني وغيره ، حيث زعم أن الرواية لم تجيء بالرفع بل بالخصب قطعًا ، ووجهها عياض كما في الفرع ، بأن يكون مفعولاً لم يسم فاعله لتجعل أو تحقل ، بضم الأول مبنيًّا للمفعول ، أو أن الكلام تم بقوله : في مزرعة ، ثم استأنف لها فيكون : سلق ، مبتدأ خبره لها مقدم .
( فكانت ) أي المرأة ( إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق ، فتجعله في قدر ، ثم تجعل عليه قبضة من شعير ) حال كونها ( تطحنها ) بفتح الحاء المهملة ، من الطحن ، والأبي ذر ، عن المستملي : تطبخها بالموحدة والخاء المعجمة ، من الطبخ .
والقبضة ، بفتح القاف والضاد المعجمة ، بينهما موحدة ساكنة ، كما في الفرع ، ويجوز الضم أو هو الراجح ، قال الجوهري : بالضم ، ما قبضت عليه من شيء ، يقال : أعطاه قبضة من سويق أو تمر ، أو كفًا منه . وربما جاء بالفتح .
( فتكون أصول السلق عرفه ) بفتح العين وسكون الراء المهملتين بعدها قاف ثم هاء ضمير اللحم الذي على العظم ، أي : أصول السلق عوض اللحم ، وللكشميهني ، كما في الفتح : غرفة بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وبعد القاف هاء تأنيث ، يعني : أن السلق يغرق في المرق لشدة نضجه ، ولأبي الوقت ، والأصيلي : غرفه بالغين المعجمة المفتوحة والراء الساكنة وبالفاء ، أي : مرقه الذي يغرف . قال الزركشي : وليس بشيء .
( وكنا ننصرف من صلاة الجمعة ، فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا ، فنلعقه ) بفتح العين المهملة ( وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك ) .
مطابقة الحديث للترجمة من حيث أنهم : كانوا بعد انصرافهم من الجمعة يبتغون ما كانت تلك المرأة تهيئه من أصول السلق ، وهو يدل على قناعة الصحابة وعدم حرصهم على الدنيا ، رضي الله عنهم .
ورواة هذا الحديث مدنيون ، ما عدا شيخ المؤلّف البصري ، وفيه التحديث والعنعنة والقول .
939 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا وَقَالَ : " مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ " .
وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن مسلمة ) بفتح الميمين القعنبي ( قال : حدّثنا ابن أبي حازم ) هو عبد العزيز بن أبي حازم ، بالحاء المهملة والزاي المعجمة ، سلمة بن دينار المدني ، ( عن أبيه عن سهل ) هو ابن سعد الأنصاري ( بهذا ) أي : بهذا الحديث السابق ، فأبو غسان وابن أبي حازم عن أبي حازم .
( وقال ) عبد العزيز ، زيادة على رواية أبي غسان : ( ما كنا نقيل ) بفتح النون ، أي : نستريح نصف النهار ( ولا نتغدى ) بالغين المعجمة والدال المهملة ، أي : نأكل أوّل النهار ( إلا بعد ) صلاة ( الجمعة ) .
وتمسك به الإمام أحمد ، لجواز صلاة
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 194
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص١٩٤