الجمعة بضم الهمزة وتشديد الميم المكسورة ، ( ورزيق ) يومئذ ( عامل على أرض يعملها ) أي يزرعها ( وفيها جماعة من السودان وغيرهم ، ورزيق يومئذ ) أمير من قبل عمر بن عبد العزيز ( على أيلة ) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح اللام ، كانت مدينة ذات قلعة ، وهي الآن خراب ينزل بها حجاج مصر وغزة ، وبعض آثارها ظاهر .
والذي يظهر أنه سأله عن إقامة الجمعة في الأرض التي كان يزرعها من أعمال أيلة ، لا عن أيلة نفسها ، لأنها كانت بلدًا لا يسأل عنها .
قال يونس : ( فكتب ) إليه ( ابن شهاب ) بخطه وقرأه ( وأنا أسمع ) حال كونه ( يأمره ) أي : ابن شهاب يأمر رزيق بن حكيم في كتابه إليه : ( أن يجمع ) أي : بأن يصلّي بالناس الجمعة ، أو أملاه ابن شهاب على كاتبه ، فسمعه يونس منه ، فالمكتوب الحديث ، والمسموع المأمور به . كذا قرره البرماوي كالكرماني .
وقال في الفتح : والذي يظهر أن المكتوب عين المسموع ، وهو الأمر والحديث معًا .
ثم استدل ابن شهاب على أمره رزيق بن حكيم بالجمعة ، حال كونه ( يخبره ) أي : رزيقًا في كتابه إليه ، والجملة حالية من الضمير المرفوع فهي متداخلة والحالان السابقان ، أعني : وأنا أسمع ، ويأمره ، مترادفان ( أن سالمًا حدّثه أن ) أباه ( عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ( يقول ) ولأبي ذر وابن عساكر عن الكشميهني : قال : ( سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حال كونه يقول ) :
( كلكم راعٍ وكلكم ) في الآخرة ( مسؤول عن رعيته ) ولأبى الوقت : وابن عساكر ، والأصيلي : كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته : ( الإمام راعٍ ) فيمن ولي عليهم ، يقيبم فيهم الحدود والأحكام على سنن الشرع .
وهذا موضع الترجمة ، لأنه لما كان رزيق عاملاً من جهة الإمام على الطائفة التي ذكرها ، فكان عليه أن يراعي حقوقهم ، ومن جملتها إقامة الجمعة ، فيجب عليه إقامتها وإن كانت في قرية .
فهو راع عليهم ( ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ) يوفّيهم حقهم من النفقة والكسوة والعشرة ( وهو مسؤول عن رعيته ) سقط لفظ : وهو عند الأربعة في رواية الكشميهني ( والمرأة راعية في بيت زوجها ) بحسن تدبيرها في المعيشة والنصح له ، والأمانة في ماله ، وحفظ عياله ، وأضيافه ونفسها ، ( ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راعٍ في مال سيده ) يحفظه ويقوم بما يستحق من خدمته ( ومسؤول عن رعيته ) .
( قال ) ابن عمر ، أبو سالم ، أو يونس ( وحسبت أن قد قال ) كلمة : أن ، مخففة من الثقيلة ، ولأبي ذر والأصيلي عن الكشميهني : أنه قال ، أي : النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
( والرجل راعٍ في مال أبيه ) يحفظه ويدبر مصلحته ( ومسؤول ) وفي رواية أبي ذر والأصيلي : وهو مسؤول ( عن رعيته ، وكلكم راعٍ ) أي : مؤتمن حافظ ملتزم إصلاح ما قام عليه ( ومسؤول عن رعيته ) ولابن عساكر : " فكلكم راعٍ مسؤول عن رعيته ، بالفاء بدل الواو ، وإسقاط الواو من : ومسؤول ، ولأبي ذر في نسخة : " فكلكم راعٍ " . بالفاء ، " وكلكم مسؤول " ، وكذا للأصيلي ، لكنه قال : " بالواو " بدل الفاء .
وفي هذا الحديث من النكت أنه : عمم أوّلاً ، ثم خصص ثانيًا . وقسم الخصوصية إلى أقسام : من جهة الرجل ، ومن جهة المرأة ، ومن جهة الخادم ، ومن جهة النسب . ثم عمم ثالثًا وهو قوله : " وكلكم راعٍ " . . . إلخ . . . تأكيدًا ، وردًّا للعجز إلى الصدر بيانًا لعموم الحكم أوّلاً وآخرًا .
قيل : وفي الحديث : أن الجمعة تقام بغير إذن من السلطان إذا كان في القوم من يقوم بمصالحهم ، وهذا مذهب الشافعية إذ إذن السلطان عندهم ليس شرطًا لصحتها ، اعتبارًا بسائر الصلوات .
وبه قال المالكية وأحمد في رواية عنه .
وقال الحنفية وهو رواية عن أحمد أيضًا : إنه شرط ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " مَن ترك الجمعة وله إمام ، جائر أو عادل ، لا جمع الله شمله " . رواه ابن ماجة والبزار وغيرهما ، فشرط فيه أن يكون له إمام ويقوم مقامه نائبه وهو الأمير ، أو القاضي ، وحينئذ فلا دلالة فيه للشافعية ، لأن رزيقًا كان نائب الإمام .
ورواة الحديث ما بين مدني ومروزي وأيلي ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول والسماع والكتابة ، وشيخ المؤلّف من أفراده ، وأخرجه أيضًا في : الوصايا والنكاح ، ومسلم في : المغازي ، وكذا الترمذي .
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 168
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص١٦٨