وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَظْهَرَ كَعْبَهُ لِيَشْعُرُوا بِهِ ، فَلَدْغَتْهُ الْحَيَّةُ ، وَهَذَا مِنْ نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ .
[ فصل قول الرافضي إن الآية تدل على نقص خور أبي بكر وَقِلَّةِ صَبْرِهِ وَعَدَمِ يَقِينِهِ وَعَدَمِ رِضَاهُ والرد عليه ]
فَصْلٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ : " الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 40 ] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خَوَرِهِ ، وَقِلَّةِ صَبْرِهِ ، وَعَدَمِ يَقِينِهِ وَعَدَمِ رِضَاهُ بِمُسَاوَاتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ " .
فَالْجَوَابُ : أَوَّلًا : أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَكُمْ : " إِنَّهُ اسْتَصْحَبَهُ حَذَرًا مِنْهُ لِئَلَّا يَظْهَرَ أَمْرُهُ " فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَدُوَّهُ ، وَكَانَ مُبَاطِنًا لَعِدَاهُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْرَحَ وَيُسَرَّ وَيَطْمَئِنَّ إِذَا جَاءَ الْعَدُوُّ ، وَأَيْضًا فَالْعَدُوُّ قَدْ جَاءُوا وَمَشَوْا فَوْقَ الْغَارِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْذِرَهُمْ بِهِ .
وَأَيْضًا فَكَانَ الَّذِي يَأْتِيهِ بِأَخْبَارِ قُرَيْشٍ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، فَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْمُرَ ابْنَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِمْ قُرَيْشًا .
وَأَيْضًا فَغُلَامُهُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ هُوَ الَّذِي كَانَ مَعَهُ رَوَاحِلُهُمَا فَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ لِغُلَامِهِ : أَخْبِرْهُمْ بِهِ .
فَكَلَامُهُمْ فِي هَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ : إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا وَيُثْبِتُ أَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُهَاجِرِينَ مُنَافِقٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ فِي قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ ، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ ، وَالْكَافِرُ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ يَخْتَارُ
منهاج السنة النبوية — صفحة 449
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٩