فَلَوِ اعْتَقَدَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ أَنَّ الزِّنَا عُدْوَانٌ ، كَمَا سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عُدْوَانًا بِقَوْلِهِ : { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 7 ] فَيَقْتُلُ بِهِ الْمَجْنُونَ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا حَدُّ اللَّهِ ، فَلَا يُقَامُ ( 1 ) إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ ، وَالْمَجْنُونُ لَمْ يَعْلَمِ التَّحْرِيمَ ، لَمْ يُشَنَّعْ عَلَيْهِ فِي هَذَا إِلَّا مَنْ شَنَّعَ بِأَعْظَمَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ .
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ هُوَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ ، فَلَا يُعَاقَبُونَ حَتَّى يَعْلَمُوا الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ ، وَأَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ [ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ ( 2 ) عَلِيٌّ ] ( 3 ) لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ لَهُمْ ذَنْبًا ، فَلَمْ يَجُزْ لِعَلِيٍّ قِتَالُهُمْ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ذَنْبٌ ، وَإِنْ كَانُوا مُذْنِبِينَ فَإِنَّ غَايَةَ مَا يُقَالُ ( 4 ) : إِنَّهُمْ تَرَكُوا الطَّاعَةَ الْوَاجِبَةَ ، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ - أَوْ أَكْثَرَهُمْ - لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ عَلِيٍّ وَمُتَابَعَتُهُ ، بَلْ كَانَ لَهُمْ مِنَ الشُّبَهَاتِ وَالتَّأْوِيلَاتِ مَا يَمْنَعُ عِلْمَهُمْ بِالْوُجُوبِ ، فَكَيْفَ جَازَ قِتَالُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا ، أَوْ فَعَلَ مُحَرَّمًا مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مَعْصُومًا ؟ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا قَدْحًا فِي إِمَامَةِ عَلِيٍّ ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِي إِمَامَةِ عُمَرَ ؟ !
لَا سِيَّمَا وَالْقِتَالُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ إِنَّمَا يُشْرَعُ إِذَا كَانَتْ مَفْسَدَةُ الْقِتَالِ أَقَلَّ مِنْ مَفْسَدَةِ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ ، وَالْمَصْلَحَةُ بِالْقِتَالِ أَعْظَمَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ بِتَرْكِهِ .
هامش
( 1 ) ن : فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ .
( 2 ) ح ، ب : قَتَلَهُمْ .
( 3 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) ( م ) .
( 4 ) ح ، ب : مَا يُقَالُ لَهُمْ .