وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا وَلَا يَدْعُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ . ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ كَأَبِي حَنِيفَةَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْضًا وَيَسْتَدِيرُ الْقَبْرَ وَيَجْعَلُهُ عَنْ يَسَارِهِ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ - مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ - بَلْ عِنْدَ السَّلَامِ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ وَيَسْتَدْبِرُ الْكَعْبَةَ ، وَأَمَّا عِنْدَ الدُّعَاءِ فَإِنَّمَا يَدْعُو اللَّهَ وَحْدَهُ كَمَا يُصَلِّي لِلَّهِ وَحْدَهُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، كَمَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ إِذَا دَعَا بِعَرَفَةَ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ .
وَكَرِهَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ : زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مِنَ الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ كَالزِّيَارَةِ لِطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُ ، فَكَرِهُوا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَفْظٍ يَتَضَمَّنُ شِرْكًا أَحْدَثَهُ النَّاسُ فِي هَذَا اللَّفْظِ مِنَ الْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الزِّيَارَةِ إِذَا عُنِيَ بِهِ الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا بَأْسَ بِهِ . وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ يَقِفُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَغَيْرُ هَذَا مِنَ الْبِدَعِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا . وَمَالِكٌ قَدْ أَدْرَكَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا ، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ خَلْقِ اللَّهِ إِذْ ذَاكَ بِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ .
فَإِذَا كَانَ هَذَا ( 1 ) فِي حَقِّ خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ ، وَأَكْرَمِهِمْ عَلَى اللَّهِ ، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ ، وَصَاحِبِ لِوَاءِ الْحَمْدِ الَّذِي آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَفَدُوا عَلَى رَبِّهِمْ ، وَإِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا اجْتَمَعُوا ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ ،
هامش
( 1 ) يَسْتَطْرِدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَكِنَّهُ لَا يَذْكُرُ جَوَابًا لِلشَّرْطِ .