أَعْدِلْ إِنْ ظَنَنْتَ أَنِّي ظَالِمٌ مَعَ اعْتِقَادِكَ أَنِّي نَبِيٌّ ، فَإِنَّكَ تُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ الَّذِي آمَنْتَ بِهِ ظَالِمًا ، وَهَذَا خَيْبَةٌ وَخُسْرَانٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَافِي النُّبُوَّةَ وَيَقْدَحُ فِيهَا .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 161 ] ، وَفِيهِ قِرَاءَتَانِ : يَغُلَّ وَيُغَلَّ ، أَيْ يُنْسَبُ إِلَى الْغُلُولِ ، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَا لِأَحَدٍ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الْغُلُولِ ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَغُلَّ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكُونُ غَالًّا .
وَدَلَائِلُ هَذَا الْأَصْلِ عَظِيمَةٌ ، لَكِنْ مَعَ وُقُوعِ الذَّنْبِ الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ذَنْبٌ - وَقَدْ لَا يَكُونُ ذَنْبًا مِنْ غَيْرِهِ مَعَ تَعَقُّبِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الرَّجُلِ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ وَلَا الْأَبْرَارِ ، وَلَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنَ الْفُجَّارِ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي عُمُومِ وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى - الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } [ سُورَةُ النَّجْمِ : 31 ، 32 ] . وَقَالَ : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 133 - 136 ] .
منهاج السنة النبوية — صفحة 421
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢١