تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وَالْعَبْدُ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ ، وَلَيْسَ مَا تُثْبِتُ لِلرَّبِّ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مُمَاثِلًا لِمَا تُثْبِتُ لِلْعَبْدِ ، فَقُلْ فِي صِفَاتِهِ نَظِيرَ قَوْلِكَ ذَلِكَ فِي مُسَمَّى أَسْمَائِهِ . فَإِنْ قَالَ : وَأَنَا لَا أُثْبِتُ لَهُ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى ، بَلْ أَقُولُ هِيَ مَجَازٌ ، أَوْ هِيَ أَسْمَاءٌ لِبَعْضِ مُبْتَدَعَاتِهِ ، كَقَوْلِ غُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ . قِيلَ لَهُ : فَلَا بُدَّ أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّهُ حَقٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ، وَالْجِسْمُ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ مُمَاثِلًا لَهُ . فَإِنْ قَالَ : أَنَا لَا أُثْبِتُ شَيْئًا ، بَلْ أُنْكِرُ وُجُودَ الْوَاجِبِ . قِيلَ لَهُ : مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ ، وَإِمَّا غَيْرُ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ ، وَإِمَّا قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ ، وَإِمَّا حَادِثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، وَإِمَّا مَخْلُوقٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى خَالِقٍ ، وَإِمَّا غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا مُفْتَقِرٍ إِلَى خَالِقٍ ، وَإِمَّا فَقِيرٌ إِلَى مَا سِوَاهُ ، وَإِمَّا غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ . وَغَيْرُ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ ، وَالْحَادِثُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَدِيمٍ ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِخَالِقٍ ، وَالْفَقِيرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَنِيٍّ عَنْهُ ، فَقَدْ لَزِمَ عَلَى تَقْدِيرِ النَّقِيضَيْنِ وُجُودُ مَوْجُودٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ خَالِقٍ غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ ، وَمَا سِوَاهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَقَدْ عُلِمَ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ وُجُودُ مَوْجُودٍ حَادِثٍ كَائِنٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، وَالْحَادِثُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ ، وَلَا قَدِيمًا أَزَلِيًّا ، وَلَا خَالِقًا لِمَا سِوَاهُ ، وَلَا غَنِيًّا عَمَّا سِوَاهُ ، فَثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ وُجُودُ مَوْجُودَيْنِ : أَحَدُهُمَا غَنِيٌّ وَالْآخِرُ فَقِيرٌ ، وَأَحَدُهُمَا خَالِقٌ وَالْآخِرُ مَخْلُوقٌ ، وَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا شَيْئًا مَوْجُودًا ثَابِتًا ، بَلْ وَإِذَا كَانَ الْمُحْدَثُ جِسْمًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ .