تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
عند ذكر الله نفسه في كتابه ، ( لأنه ) هو أحق بما هو أبلغ من الكلام . وقد رأينا في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى ، وقد ورد فيها أحد الضميرين دون الآخر ، كقوله تعالى : ( قل اللهم مالك الملك ، تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير ) . فما الموجب لذلك إن كان توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ في بابه من الاقتصار على أحدهما دون الآخر ؟ فقد كان بخلاف ذلك ، فكيف قلت : إن توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ ؟ . الجواب عن ذلك أنا نقول : توكيد الضمير المتصل بالمنفصل إنما يرد في الكلام لتقرير المعنى المقصود ، وإثباته في النفس ، وما يختص بالله تعالى لا يفتقر إلى تقرير ولا إثبات ، لأنه إذا قيل عنه : ( إنك على كل شيء قدير ) ، لم يحتج في ذلك إلى توكيد حتى يتحقق ويتبين إنه على كل شيء قدير ، بل قد علم وعرف أن قدرته تتعلق بكل شيء ، وأنها جارية على كل مخلوق ، فصار هذا الأمر المعروف المشهور ، الذي لاشك يعتريه ، ولا مرية تعترضه . وما هذا سبيله في الوضوح والبيان ، فما الحاجة فيه إلى التوكيد ؟ إذ التوكيد من شأنه تقرير المعنى المراد ، وإثباته في النفس ، وقوله تعالى : ( إنك على كل شيء قدير ) لا يحتاج فيه إلى تقرير ولا إثبات . فإن قيل : فقد ورد في القرآن الكريم أيضاً ، عند ذكر الله تعالى نفسه ، كلا الضميرين : المنفصل والمتصل ، كقوله تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ، اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ ) إلى ( . . . علام الغيوب ) كما قال : ( إنك على كل شيء قدير ) فما السبب في هذا ؟ وهلاً كان الجميع نوعاً واحداً ؟ ! الجواب عن ذلك أنا نقول : توكيد الضميرين أحدهما بالآخر في هذه الآية لا ينقض علينا