تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
يستلزم طي بساط العلم وعدم الحاجة إليه ، ولما أن العلوم من لوازم الشريعة وتوابعها كما قررناه واعدنا غير مرة ، وإذا ضعف العمل بالملزوم وتسوهل فيه فأولى أن يضعف العمل باللازم ويتساهل فيه ، ولذلك لم يبق من العلم سوى رسومه ومعاهده كالمدارس القديمة وسوى ما يوجبه ناموس الإسلام من الاعتراف بحقه ظاهراً . فقد اتضح عندك خروج العلوم عن كونها مظنة الاستحقاق ومطية الاسترزاق ، وكيف لا وقد صارت الوظائف الدينية تباع كما يباع الفرس والحمار ، وهو الذي يسمونه نزولاً وإعراضاً ويوصى بها كما يوصى بالفرس والدار ، وهو الذي يسمونه نزولاً أيضاً وتورث كما تورث الأموال يأخذها الصغار والأطفال . وأنت إذا رجعت علمت أن كثرة الحوادث الخارجة عن الشريعة تحدث في النفوس محاكاة وأثراً واستدلالاً ، وان الناس على دين ملكيهم وهم بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ، وان الملوك أسواق يحمل إليها ما ينفق فيها ، وان الصنائع تدور مع النفاق وجوداً وعدماً ، وان وثوق المحترف من الباعة والحاكة والخاطة بإفضاء حرفهم إلى ثمرتها أكثر من وثوق العلماء بإفضاء علمهم إلى ثمرته الدنيوية ، وأن إهمال الصنعة والاستغناء عنها بغيرها يوجب اضمحلالها زوالها ، وما نسب لذلك مما تجده وتشاهده من إهمال المنطق والحكمة بالشام واستعماله بالروم والعجم تحققت أن العلوم خرجت عن كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف . اللهم إلا أن يحييها الله تعالى وينشرها ويبثها في أيام الملك المؤيد وينشرها ، فهو الذي عمر المدارس بمصر والشام بمعروفه وبره وبآرائه الموفقة وساطع أمره وقهره وإحياء معالم العلم شرعه وشعره ، أبقى الله دولته بقاء الفرقدين وملكه ما بين المشرقين . ( وأما الأمر الثالث ) وهو كون العلوم كمالات وطاعات فهو الإنسان إنما ينفصل عن الحيوان بالنطق ، وليس المراد به الصوت المنضغط في المجرى على مقاطع الحروف وإلا لكان الأخرس غير إنسان ، ولا الكلمات المنتظمة وإلا لكانت الببغاء والغراب إنساناً ، وإنما المراد به النفس الناطقة وهي التي لها الفكر والروية ومحبة العلم والمعرفة ، وهي التي تملك الطبائع القياسية وغير القياسية وتكون فلسفية وحكمية وتبحث عن العلوم النظرية ، ولها الاستدلال بظواهر الأمور على بواطنها ومعرفة ترتيب الموجودات في الوجود ، وهذه القوة كمالها وحياتها بالعلم والبيان ، فتميز الإنسان بما هو إنسان بالعلم والبيان وإلا فغير الإنسان