تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
الحمد أقوى من لذة الحياة ، وإذا ثبت ذلك في اللذة ثبت مثله في الألم العقلي والجسماني ، لان نسبة هذا الألم إلى الألم الجسماني كنسبة اللذة العقلية إلى اللذة الجسمانية ، وكلام الفلاسفة وابن سينا طافح بأن الألم العقلي أقوى من الألم الجسماني . إذا تقرر ذلك كله فالمفلوكين من أهل العقل والفضل والنباهة آلام عقلية تلزمهم : ( أولاها ) - تشوفهم وتشوقهم إلى المكارم والمعالي ومد أعناقهم نحوها ولا شك أن الشوق إلى المشوق مع عدمه وعدم التمكن من تحصيله وعدم الاشتغال بما يلهي عنه عذاب مذاب ، ولذلك لا يبتهجون بالأعياد والمواسم بل تكون زيادة في كمدهم ، وستأتي أشعارهم في تشوقهم إلى المعالي وتألمهم على فقدها في الفصل الثاني عشر إنشاء الله تعالى . ( وثانيها ) تألمهم بذكر نقائصهم الواقعة منهم أحياناً بحكم البشرية ، لما ركب الله تعالى في البشر من القوة الشهوانية والغضبية والمتوهمة اللواتي هي أصول الفساد ، وهي المشار إليها في قوله تعالى : { إلى ظل ذي ثلاث شعب } في أحد الأقوال ، ولما أن للقلب ميلا إلى الأخلاق السبعية والبهيمية والشيطانية على ما هو مقرر في كتب الصوفية ، ولما ركب أيضاً في الجشم من التسفل ، ولما جعل من أن الفساد أدخل تحت القدرة من الصلاح كالبناء والهدم ، ولا شك أن إطلاق النفس وطبيعتها ترويج لها وتنفيس من ألم ضبطها ، وحينئذ فيكون الترويح والتنفيس بالنسبة إلى المفاليك ناقصاً مخدجاً لما فيه من ترقب التنقيص ، ويكون أيضاً عسير الانتظام نادر الوقوع لذلك ، ولقد أحسن من قال : إما ذنابي ولا تعبأ بمنقصة . . . أو ذروة المجد واحذر أن تقع وسطا وأشد من ذلك ألما وأعظم مصيبة إضافة النقائص الموهومة أو المكذوبة إليهم وهم منها براء ، ولقد عرى أهل الفضل من ذلك شدائد . كان الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمرو بن محمد الخوارزمي ساقط إحدى الرجلين ، وكان يمشي في حلوب من خشب لسقوطها بالثلج في بعض أسفاره في بلاد خوارزم ، فكتب معه محضراً فيه شهادة