تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
الْفَاسِدَة الَّتِي يغلب عَلَيْهَا نفوس السبعية ، وَيكون لَهُم تمنع شَدِيد إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْأكلَة فِي بدن الْإِنْسَان لَا يَصح الْإِنْسَان إِلَّا بِقطعِهِ ، وَالَّذِي يتَوَجَّه إِلَى إصْلَاح مزاجه وَإِقَامَة طَبِيعَته لَا بُد لَهُ من الْقطع ، وَالشَّر الْقَلِيل إِذا كَانَ مفضيا إِلَى الْخَيْر الْكثير وَاجِب فعله ، وَلَك عَبدة بِقُرَيْش وَمن حَولهمْ من الْعَرَب كَانُوا بعد خلق الله عَن الاحسان وأظلمهم على الضُّعَفَاء ، وَكَانَت بَينهم مقاتلات شَدِيدَة ، وَكَانَ بَعضهم يأسر بَعْضًا ، وَمَا كَانَ أَكْثَرهم متأملين فِي الْحجَّة ناظرين فِي الدَّلِيل فجاهدهم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقتل أَشَّدهم بطشا وأحدهم نفسا حَتَّى ظهر أَمر الله ، وانقادوا لَهُ ، فصاروا بعد ذَلِك من أهل الْإِحْسَان ، واستقامت أُمُورهم ، فَلَو لم يكن فِي الشَّرِيعَة جِهَاد أُولَئِكَ لم يحصل اللطف فِي حَقهم . وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى غضب على الْعَرَب والعجم ، وَقضى بِزَوَال دولتهم وكبت ملكهم ، فنفث فِي روع رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبواسطته فِي قُلُوب أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم أَن يقاتلوا فِي سَبِيل الله ؛ ليحصل الْأَمر الْمَطْلُوب ، فصاروا فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْمَلَائِكَة تسْعَى فِي إتْمَام مَا أَمر الله تَعَالَى ، غير أَن الْمَلَائِكَة تسْعَى من غير أَن يعْقد فيهم قَاعِدَة كُلية ، والمسلمون يُقَاتلُون لأجل قَاعِدَة كُلية علمهمْ الله تَعَالَى ، وَكَانَ علمهمْ ذَلِك أعظم الْأَعْمَال ، وَصَارَ الْقَتْل لَا يسند إِلَيْهِم إِنَّمَا يسند إِلَى الْآمِر ، كَمَا يسند قتل العَاصِي إِلَى الْأَمِير دون السياف ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ } . وَإِلَى هَذَا السِّرّ أَشَارَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : " مقت عربهم وعجمهم " الحَدِيث ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : " لَا كسْرَى وَلَا قَيْصر " يَعْنِي المتدينين بدين الْجَاهِلِيَّة . وفضائل الْجِهَاد رَاجِعَة إِلَى أصُول : مِنْهَا أَنه مُوَافقَة تَدْبِير الْحق وإلهامه ، فَكَانَ السَّعْي فِي إِتْمَامه سَببا لشمُول الرَّحْمَة ، وَالسَّعْي فِي إِبْطَاله سَببا لشمُول اللَّعْنَة ، والتقاعد عَنهُ فِي مثل هَذَا الزَّمَان تفويتا لخير كثير . وَمِنْهَا أَن الْجِهَاد عمل شاق يحْتَاج إِلَى تَعب وبذل مَال ومهجة وَترك الأوطان والأوطار ، فَلَا يقدم عَلَيْهِ إِلَّا من أخْلص دينه لله وآثر الْآخِرَة على الدُّنْيَا ، وَصَحَّ اعْتِمَاده على الله . وَمِنْهَا أَن نفث مثل هَذِه الداعية فِي الْقلب لَا يكون إِلَّا بتشبه الْمَلَائِكَة ، وأحظاهم بِهَذَا الْكَمَال أبعدهم عَن شرور البهيمية وأطرفهم من رسوخ الدّين فِي قلبه ، فَيكون مُعَرفا لِسَلَامَةِ صَدره .