تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
الْخمر من هَاتين الشجرتين النَّخْلَة والعنبة " وتخصيصهما بِالذكر لما كَانَ حَال تِلْكَ الْبِلَاد ، وَسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَام عَن المزر والبتع ، فَقَالَ : " كل مُسكر حرَام " وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام " أَقُول : هَذِه الْأَحَادِيث مستفيضة ، وَلَا أَدْرِي أَي فرق بَين العنبي وَغَيره لِأَن التَّحْرِيم مَا نزل إِلَّا للمفاسد الَّتِي نَص الْقُرْآن عَلَيْهَا وَهِي مَوْجُودَة فيهمَا ، وَفِيمَا سواهُمَا سَوَاء قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يدمنها لم يتب لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة " أَقُول : وَسبب ذَلِك أَن الغائص فِي الْحَالة البهيمية الْمُدبرَة عَن الْإِحْسَان لَيْسَ لَهُ فِي لذات الْجنان نصيب ، فَجعل شرب الْخمر وإدمانها وَعدم التَّوْبَة مِنْهَا مَظَنَّة للغوص ، وأدير الحكم عَلَيْهَا ، وَخص من لذات الْجنان الْخمر ، ليظْهر تخَالف اللذتين بادئ الرَّأْي ، وَأَيْضًا أَن النَّفس إِذا انهمكت فِي اللَّذَّة البهيمية فِي ضمن فعل تمثل هَذَا الْفِعْل عِنْدهَا شبحا لتِلْك اللَّذَّة يتذكرها بتذكرها ، فَلَا يسْتَحق أَن تتمثل اللَّذَّة الاحسانية بصورتها ، وَأَيْضًا فَأمر الْجَزَاء على الْمُنَاسبَة ، فَمن عصى بالاقدام على شَيْء فَجَزَاؤُهُ أَن يؤلم يفقد مثل تِلْكَ اللَّذَّة عِنْد طلبه لَهَا واستشرافه عَلَيْهَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن على الله عهدا لمن شرب الْمُسكر أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال وطينة عصارة أهل النَّار " . أَقُول : السِّرّ فِي ذَلِك أَن الْقَيْح وَالدَّم أقبح الْأَشْيَاء السيالة عندنَا وأحقرها وأشدها نعزة بِالنِّسْبَةِ للطبائع السليمة ، وَالْخمر شَيْء سيال فَنَاسَبَ أَن يتَمَثَّل مَقْرُونا بِصفة الْقبْح فِي صُورَة طِينَة الخبال وَذَلِكَ كَمَا قَالُوا فِي الْمُنكر والنكير : إنَّهُمَا إِنَّمَا كَانُوا أزرقين لِأَن الْعَرَب يكْرهُونَ الزرقة ، وَقد ذكرنَا أَن بعض الوقائع الْخَارِجَة بِمَنْزِلَة الْمَنَام فِي ذَلِك وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من شرب الْخمر لم يقبل الله لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فان تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ " . أَقُول : السِّرّ فِي عدم قبُول صلَاته أَن ظُهُور صفة الْبَهِيمَة وغلبتها على الملكية بالإقدام على الْمعْصِيَة اجتراء على الله وغوص نَفسه فِي حَالَة رذيلة تنَافِي الْإِحْسَان وتضاده ، وَيكون سَببا لفقد اسْتِحْقَاق أَن تَنْفَع الصَّلَاة فِي نَفسه نفع الْإِحْسَان وَأَن تنقاد نَفسه للحالة الإحسانية .