تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الْإِمْسَاك عَن مُوجبهَا ، وَحَقِيقَة هَذِه الْغَلَبَة فيضان علم إلهي من بعض الْمَعَادِن القدسية على قوته العملية دون الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة . تَفْصِيل ذَلِك أَن النَّفس المتشبهة بنفوس الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذا استعدت لفيضان علم إلهي إِن سبقت الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة مِنْهَا على الْقُوَّة العملية كَانَ ذَلِك الْعلم المفاض فراسة وإلهاما ، وَإِن سبقت الْقُوَّة العملية مِنْهَا على الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة كَانَ ذَلِك الْعلم المفاض عزما وإقبالا أَو نفرة وانجحاماً ، مِثَاله مَا روى فِي قصَّة بدر من أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألح فِي الدُّعَاء حَتَّى قَالَ : " إِنِّي أنْشدك عَهْدك وَوَعدك ، اللَّهُمَّ إِن شِئْت لم تعبد ، فَأخذ أَبُو بكر بِيَدِهِ ، فَقَالَ : حَسبك ، فَخرج رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُول : { سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } . مَعْنَاهُ أَن الصّديق ألْقى فِي قلبه دَاعِيَة الإلهية تزهده فِي الإلحاح ، وترغيه فِي الْكَفّ عَنهُ فَعرف النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفراسته أَنَّهَا دَاعِيَة حق ، فَخرج مستظهرا بنصرة الله تاليا هَذِه الْآيَة . ومثاله أَيْضا مَا روى فِي قصَّة موت عبد الله بن أَبى حِين أَرَادَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يُصَلِّي على جنَازَته قَالَ عمر : فتحولت حَتَّى قُمْت فِي صَدره ، قلت : يَا رَسُول الله أَتُصَلِّي على هَذَا ، وَقد قَالَ : يَوْم كَذَا كَذَا وَكَذَا أعد أَيَّامه ؟ حَتَّى قَالَ : تَأَخّر عني يَا عمر إِنِّي خيرت ، فاخترت ، وَصلى عَلَيْهِ ، ثمَّ نزلت هَذِه الْآيَة : { وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا } . قَالَ عمر : فعجبت لي وجرأتي على رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلم . وَقد بَين عمر الْفرق بَين الغلبتين أفْصح بَيَان ، فَقَالَ فِي الْغَلَبَة الأولى : فَمَا زلت أَصوم وأتصدق وَأعْتق الخ ، وَقَالَ فِي الثَّانِيَة : فعجبت لي وجرأتي ، فَانْظُر الْفرق بَين هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ . وَمِنْهَا إِيثَار طَاعَة الله تَعَالَى على مَا سواهُ وطرد موانعها والنفرة عَمَّا يشْغلهُ عَنْهَا كَمَا فعل أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ ، فطار دبسى وطفق يتَرَدَّد ، وَلم يجد مخرجا من كَثْرَة الأغصان والأورق ، فأعجبه ذَلِك ، فَصَارَ لَا يدْرِي كم صلى ، فَتصدق بحائطه . وَمِنْهَا غَلَبَة الْخَوْف حَتَّى يظْهر الْبكاء وارتعاد الْفَرَائِض ، وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا صلى بِاللَّيْلِ أزيز كأزيز الْمرجل ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعَة يظلهم الله تَعَالَى فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله : "