تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
قد وَلى علينا رجلا يقتطع أرزاقنا ، ويسئ فيما بيننا وبينه فلم يجبهم إلى شيء ، فبلغ ذلك سفيان ، فتلقاه أسفل القنطرة ، وشيعه حتى جاوز النجف ، وزاده في البر ، فلما كان في العام المقبل قدم أبو جعفر وهو يريد الحج ، فاجتمع إليه الأضراء فكلموه بما كلموه به في العام الماضي ، فرق لهم ، فأتى باب الذهب ، فقال للحاجب : استأذن لي على أمير المؤمنين وأخبره أن بالباب أبا جعفر الرازي ، فأسرع الرسول أن ادخل ، فدخل على المنصور فأكرمه بغاية الكرامة ، وجعل يسأله عن أحواله ، وسأله هل له حاجة ؟ فقال : نعم . فقص عليه قصة الأضراء ، فقال : يعزل عنهم كاتبهم ويولى عليهم من أحبوا ويؤمر لأبي جعفر بعشرة آلاف لسؤاله إيانا هذه الحاجة ، فلما صارت الدراهم بيده سقط في يديه ، أنه قد أخطأ ، فجلس بسور القصر ثم دعا بخرق فجعلها صررا ، ففرقها على قوم ، وقام فنفض ثوبه وليس معه منها شيء ، فبلغ ذلك سفيان الثوري ، فلما دخل أبو جعفر الرازي الكوفة توارى سفيان ، فطلبه فلم يقدر عليه ، وسأل عنه فلم يدل عليه ، فامتعض له بعض إخوان سفيان ، فقال : ألك إليه حاجة ؟ فقال : نعم ، فقال : اكتب كتابا وادفعه إلي أوصله لك إليه ، فكتب كتابا ودفعه إليه ، قال : فصرت بالكتاب إلى سفيان ، فإذا أنا به في غرفة ، وإذا هو مستلق على قفاه ، قد وضع رجله على الأخرى مستقبل القبلة ، فسلمت عليه وأظهرت الكتاب ، فقال لي : مه ؟ فقلت : كتاب أبي جعفر الرازي . فقال : اقرأه ، فقرأته فقال لي : اكتب جوابه في ظهره ، فكتبت : بسم الله الرحمن الرحيم ، قلت له : ماذا أكتب ؟ قال : اكتب { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ } إِلَى آخر الآية ، أردد إلينا بضاعتنا لا حاجة لنا في أرباحها ، قال : فأتيته بالكتاب ، والناس إذ ذاك متوافرون بالكوفة فنظروا في الكتاب وأجمع رأيهم على أنهم يوجهون بالكتابين إلى ابن أبي ليلى ، ولا يعلمونه ممن الكتاب ، ولا من صاحب الجواب ، ليعرفوا ما عنده من الرأي .