تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
فَآذِنُونِي . قَالُوا : نَفْعَلُ . فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ نَاسٌ مِنْ تُجَّارِهِمْ ، فَبَعَثُوا إِلَيَّ أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا تُجَّارٌ مِنْ تُجَّارِنَا ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِمْ إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الْخُرُوجَ فَآذِنُونِي بِهِمْ . قَالُوا : نَفْعَلُ . فَلَمَّا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ بَعَثُوا إِلَيَّ بِذَلِكَ . فَطَرَحْتُ الْحَدِيدَ الَّذِي فِي رِجْلِي وَلَحِقْتُ بِهِمْ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا ، قُلْتُ : مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ ؟ قَالُوا : الأَسْقُفُّ صَاحِبُ الْكَنِيسَةِ . فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ : إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي كَنِيسَتِكَ ، وَأَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا مَعَكَ ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ الْخَيْرَ . قَالَ : فَكُنْ مَعِي . قَالَ : فَكُنْتُ مَعَهُ ، وَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ ، كَانَ يَأْمُرُهْم بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا ، فَإِذَا جَمَعُوهَا إِلَيْهِ اكْتَنَزَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا الْمَسَاكِينَ . فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِ ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ ، فَلَمَّا جَاءُوا لِيَدْفِنُوهُ ، قُلْتُ لَهُمْ : إِنَّ هَذَا رَجُلُ سُوءٍ كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا ، حَتَّى إِذَا جَمَعْتُمُوهَا إِلَيْهِ اكْتَنَزَهَا إِلَيْهِ وَلَمْ يُعْطِهَا الْمَسَاكِينَ ، فَقَالُوا : وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ : أَنَا أُخْرِجُ إِلَيْكُمْ كَنْزَهُ . فَقَالُوا : فَهَاتِهِ . فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ سَبْعَ قِلالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : وَاللَّهِ لا يُدْفَنُ أَبَدًا ، فَصَلَبُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ ، وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ ، فَلا وَاللَّهِ يَابْنَ عَبَّاسٍ ، مَا رَأَيْتُ رَجُلا قَطُّ لا يُصَلِّي الْخُمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَأَشَدَّ اجْتِهَادًا ، وَلا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا ، وَلا أَدْأَبَ لَيْلا وَنَهَارًا مِنْهُ ، مَا أَعْلَمُنِي أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ قَبْلَهُ حُبَّهُ ، فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَقُلْتُ : يَا فُلانُ قَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ حُبَّكَ ، فَمَاذَا تَأْمُرُنِي ؟ وَإِلَى مَنْ تُوصِينِي ؟ فَقَالَ لِي : أَيْ بُنَيَّ ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ إِلا رَجُلا بِالْمَوْصِلِ فَأْتِهِ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِي ،