تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ : مُطْمَئِنَّةٍ ، وَلَوَّامَةٍ ، وَأَمَّارَةٍ ، قَالُوا : وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } [ الْفَجْرِ : 27 ] . { وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } [ الْقِيَامَةِ : 2 ] . { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } [ يُوسُفَ : 53 ] . وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّهَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ ، لَهَا صِفَاتٌ ، فَهِيَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، فَإِذَا عَارَضَهَا الْإِيمَانُ صَارَتْ لَوَّامَةً ، تَفْعَلُ الذَّنْبَ ثُمَّ تَلُومُ صَاحِبَهَا ، وَتَلُومُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ، فَإِذَا قَوِيَ الْإِيمَانُ صَارَتْ مُطْمَئِنَّةً . وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ " 1 . مَعَ قَوْلِهِ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ " ، الْحَدِيثَ . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ : هَلْ تَمُوتُ الرُّوحُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تَمُوتُ ؛ لِأَنَّهَا نَفْسٌ ، وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرَّحْمَنِ : 26 , 27 ] , وَقَالَ تَعَالَى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه } [ الْقَصَصِ : 88 ] . قَالُوا : وَإِذَا كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَمُوتُ ، فَالنُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ أَوْلَى بِالْمَوْتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَمُوتُ الْأَرْوَاحُ ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ لِلْبَقَاءِ ، وَإِنَّمَا تَمُوتُ الْأَبْدَانُ . قَالُوا : وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى نَعِيمِ الْأَرْوَاحِ وَعَذَابِهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ إِلَى أَنْ يُرْجِعَهَا اللَّهُ فِي أَجْسَادِهَا , وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ : مَوْتُ النُّفُوسِ هُوَ مُفَارَقَتُهَا لِأَجْسَادِهَا وَخُرُوجُهَا مِنْهَا ، فَإِنْ أُرِيدَ بِمَوْتِهَا هَذَا الْقَدْرُ ، فَهِيَ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا تُعْدَمُ وَتَفْنَى بِالْكُلِّيَّةِ ، فَهِيَ لَا تَمُوتُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ خَلْقِهَا فِي نَعِيمٍ أَوْ فِي عَذَابٍ ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } [ الدُّخَانِ : 56 ] ، وَتِلْكَ الْمَوْتَةُ هِيَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ . وَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ النار : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } [ المؤمن : 11 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [ الْبَقَرَةِ : 28 ] فَالْمُرَادُ : أنهم كانوا أمواتا
هامش
1 " الصحيحة " " 550 " . 2 متفق عليه ، وقد مضى الحديث برقم 373 " . 3 قال عفيفي : انظر ص 264 من كتاب " الروح " .