تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
اللَّهُ : أَنَّ مَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ بِالْفَارِسِيَّةِ أَجْزَأَهُ - فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ - وَقَالَ : لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ . وَقَالُوا : لَوْ قرأ بغير العربية إما أَنْ يَكُونَ مَجْنُونًا فَيُدَاوَى ، أَوْ زِنْدِيقًا فَيُقْتَلَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ بِهَذِهِ اللُّغَةِ ، وَالْإِعْجَازُ حَصَلَ بِنَظْمِهِ وَمَعْنَاهُ . وَقَوْلُهُ : وَمَنْ سَمِعَهُ وَقَالَ إِنَّهُ كَلَامُ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ , لَا شَكَّ فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ ، بَلْ قَالَ إِنَّهُ كَلَامُ مُحَمَّدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ ، مَلَكًا كَانَ أَوْ بَشَرًا . وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ ، ثُمَّ أَوَّلَ وَحَرَّفَ , فَقَدْ وَافَقَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : { إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } . فِي بَعْضِ مَا بِهِ كَفَرَ ، وَأُولَئِكَ الَّذِينَ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ : " وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ : وَلَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْبَشَرِ ، يَعْنِي أَنَّهُ أَشْرَفُ وَأَفْصَحُ وَأَصْدَقُ . قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } [ النِّسَاءِ : 87 ] وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } [ الإسراء : 88 ] . الآية . وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } [ يُونُسَ : 38 ] . فَلَمَّا عَجَزُوا , وَهُمْ فُصَحَاءُ الْعَرَبِ ، مَعَ شِدَّةِ الْعَدَاوَةِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، تَبَيَّنَ صِدْقُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَإِعْجَازُهُ مِنْ جِهَةِ نَظْمِهِ وَمَعْنَاهُ ، لَا مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ . هَذَا مَعَ أَنَّهُ قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ، أَيْ بِلُغَةِ الْعَرَبِيَّةِ . فَنَفْيُ الْمُشَابَهَةِ من حيث التكلم ، ومن حيث التكلم به ، وَمِنْ حَيْثُ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى ، لَا مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ وَالْحُرُوفُ , وَإِلَى هَذَا وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ ، أَيْ أَنَّهُ فِي أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يخاطبون بِهَا , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ بِذِكْرِ الْقُرْآنِ ؟ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { ألم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ } [ الْبَقَرَةِ : 1 , 2 ] . { ألم ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } [ 1 - 3 ] الْآيَةَ . { المص ، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ } [ الْأَعْرَافِ : 1 , 2 ] ، الْآيَةَ . { الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } [ يُونُسَ : 1 , 2 ] . وَكَذَلِكَ الْبَاقِي يُنَبِّهُهُمْ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ لَمْ يَأْتِكُمْ بِمَا لَا تَعْرِفُونَهُ ، بَلْ خَاطَبَكُمْ بِلِسَانِكُمْ . وَلَكِنَّ أَهْلَ الْمَقَالَاتِ الْفَاسِدَةِ يَتَذَرَّعُونَ بِمِثْلِ هَذَا إلى نفي تكلم الله به ، وسماع
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 187 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء