تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لِيَدَعْ مُطَالَبَتِي بِنَصِّ التَّنْزِيلِ ، وَيُنَاظِرْنِي بِغَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَهُ وَيَرْجِعْ عَنْهُ ، وَيُقِرَّ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ السَّاعَةَ وَإِلَّا فَدَمِي حَلَالٌ , قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : تَسْأَلُنِي أَمْ أَسْأَلُكَ ؟ فَقَالَ بِشْرٌ : [ اسْأَلْ ] أَنْتَ ، وَطَمِعَ فيَّ فَقُلْتُ لَهُ : يَلْزَمُكَ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثٍ لَا بُدَّ مِنْهَا : إِمَّا أَنْ تَقُولَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقُرْآنَ ، وَهُوَ عِنْدِي أَنَا كَلَامُهُ فِي نَفْسِهِ ، أَوْ خَلَقَهُ قَائِمًا بِذَاتِهِ وَنَفْسِهِ ، أَوْ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ ؟ قَالَ : أَقُولُ : خَلَقَهُ كَمَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا . وَحَادَ عَنِ الْجَوَابِ . فَقَالَ الْمَأْمُونُ : اشْرَحْ أَنْتَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَدَعْ بِشْرًا فَقَدِ انْقَطَعَ . فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : إِنْ قَالَ خَلَقَ كَلَامَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَهَذَا مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ الْمَخْلُوقَةِ ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ , وَإِنْ قَالَ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ فِي النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ كَلَامُهُ ، فَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يُلْزِمُ قَائِلَهُ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ كَلَامٍ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ ! وَإِنْ قَالَ خَلَقَهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ ، فَهَذَا مُحَالٌ : لَا يَكُونُ الْكَلَامُ إِلَّا مِنْ مُتَكَلِّمٍ ، كَمَا لَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ إِلَّا مِنْ مُرِيدٍ ، وَلَا الْعِلْمُ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ ، وَلَا يُعْقَلُ كَلَامٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ يَتَكَلَّمُ بِذَاتِهِ , فَلَمَّا اسْتَحَالَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا ، عُلِمَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ . هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْحَيْدَةِ . وَعُمُومُ كُلٍّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِهِ ، وَيُعَرَفُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ } [ سورة الْأَحْقَافِ : 25 ] ، وَمَسَاكِنُهُمْ شَيْءٌ ، وَلَمْ تَدْخُلْ فِي عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ دَمَّرَتْهُ الرِّيحُ ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ يَقْبَلُ التَّدْمِيرَ بِالرِّيحِ عَادَةً وَمَا يَسْتَحِقُّ التَّدْمِيرَ . وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عن بلقيس : { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } [ سورة النَّمْلِ : 23 ] ، الْمُرَادُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ ، وَهَذَا الْقَيْدُ يُفْهَمُ مِنْ قَرَائِنِ الْكَلَامِ , إِذْ مُرَادُ الْهُدْهُدِ أَنَّهَا مَلِكَةٌ كَامِلَةٌ فِي أَمْرِ الْمُلْكِ ، غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إِلَى مَا يَكْمُلُ بِهِ أَمْرُ مُلْكِهَا ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ . وَالْمُرَادُ من قوله تعالى : { خَالِقُ كُلِّ شَيْء } [ سورة الرَّعْدِ : 16 ] ، أَيْ كُلِّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ ، فَدَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ أَفْعَالُ الْعِبَادِ حَتْمًا ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ الْخَالِقُ تَعَالَى ، وَصِفَاتُهُ لَيْسَتْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ ، وَصِفَاتُهُ مُلَازِمَةٌ لِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ ، لَا يُتَصَوَّرُ انْفِصَالُ صِفَاتِهِ عَنْهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ قَوْلِهِ : مَا زَالَ قَدِيمًا بِصِفَاتِهِ قَبْلَ