الْمَاءِ " ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَحْدَهُ لَا مَخْلُوقَ مَعَهُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " . يَرُدُّ ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَهِيَ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ إِمَّا حَالِيَّةٌ ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ ، وَعَلَى كلا التقديرين هو مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ .
قَوْلُهُ : " لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ " .
ش : يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الرَّبُّ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ مَرْبُوبٌ ، وَمَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ " خَالِقٌ " قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ مَخْلُوقٌ , قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ الشَّارِحِينَ : وَإِنَّمَا قَالَ : " لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَمَعْنَى الْخَالِقِ " دُونَ الْخَالِقِيَّةِ ، لِأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُخْرِجُ لِلشَّيْءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لَا غَيْرَ ، وَالرَّبُّ يَقْتَضِي مَعَانِيَ كَثِيرَةً ، وَهِيَ : الْمُلْكُ وَالْحِفْظُ وَالتَّدْبِيرُ وَالتَّرْبِيَةُ وَهِيَ تَبْلِيغُ الشَّيْءِ كَمَالَهُ بِالتَّدْرِيجِ ، فَلَا جَرَمَ أَتَى بِلَفْظٍ يَشْمَلُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ ، وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ . انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : " وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَ مَا أَحْيَا اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ " .
ش : يَعْنِي : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ ، فَكَذَلِكَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ خَالِقٌ قَبْلَ خَلْقِهِمْ ، إِلْزَامًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ ، كَمَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ , وَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .
قَوْلُهُ : " ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " .
ش : ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى ثُبُوتِ صِفَاتِهِ فِي الْأَزَلِ قَبْلَ خَلْقِهِ , وَالْكَلَامُ عَلَى كُلٍّ وَشُمُولِهَا وَشُمُولِ كُلٍّ [ فِي كُلِّ ] مَقَامٍ بِحَسَبِ مَا يَحْتَفُّ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ ، يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ حَرَّفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ سورة الْبَقَرَةِ : 284 ] ، فَقَالُوا : إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ ، وَأَمَّا نَفْسُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 136
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص١٣٦