يَتَقَدَّمُهُمْ , وَيُسْتَعْمَلُ مِنْهُ الْفِعْلُ لَازِمًا وَمُتَعَدَّيًا ، كَمَا يقال : أخذت مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ ، وَيُقَالُ : هَذَا قَدَمَ هَذَا وَهُوَ يَقْدُمُهُ , وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَدَمُ قَدَمًا ؛ لِأَنَّهَا تَقْدُمُ بَقِيَّةَ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَأَمَّا إِدْخَالُ الْقَدِيمِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ . وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، مِنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ . وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي نَفْسِ التَّقَدُّمِ ، فَإِنَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْحَوَادِثِ كُلِّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّقَدُّمِ مِنْ غَيْرِهِ . لَكِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي تَدُلُّ [ عَلَى ] خُصُوصِ مَا يُمْدَحُ بِهِ ، وَالتَّقَدُّمُ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقٌ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّقَدُّمِ عَلَى الْحَوَادِثِ كُلِّهَا ، فَلَا يَكُونُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى . وَجَاءَ الشَّرْعُ بِاسْمِهِ الْأَوَّلِ . وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ الْقَدِيمِ ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ مَا بَعْدَهُ آيِلٌ إِلَيْهِ وَتَابِعٌ لَهُ ، بِخِلَافِ الْقَدِيمِ . وَاللَّهُ تَعَالَى له الأسماء الحسنى لا الحسنة .
قوله : " لا يفنى ولا يبيد " .
ش : إِقْرَارٌ بِدَوَامِ بَقَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ سورة الرَّحْمَنِ : 26 - 27 ] , وَالْفَنَاءُ وَالْبَيْدُ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ لِلتَّأْكِيدِ ، وَهُوَ أَيْضًا مُقَرِّرٌ وَمُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ : دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ .
قَوْلُهُ : " وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ " .
ش : هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَالْكَافِرُ أَرَادَ الْكُفْرَ , وَقَوْلُهُمْ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ ، لِمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْمَعْقُولَ الصَّحِيحَ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَدَرِ الْمَشْهُورَةُ ، وَسَيَأْتِي لَهَا زِيَادَةُ بَيَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَسُمُّوا قَدَرِيَّةً لِإِنْكَارِهِمُ الْقَدَرَ ، وَكَذَلِكَ تُسَمَّى الْجَبْرِيَّةُ الْمُحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ قَدَرِيَّةً أَيْضًا . وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى أَغْلَبُ .
أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ [ فَيَقُولُونَ ] : إِنَّ اللَّهَ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ قَدَرًا - فَهُوَ لَا يُحِبُّهَا وَلَا يَرْضَاهَا وَلَا يَأْمُرُ بِهَا ، بَلْ يُبْغِضُهَا وَيَسْخَطُهَا وَيَكْرَهُهَا وَيَنْهَى عَنْهَا . وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً ، فَيَقُولُونَ : مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ , وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ لَوْ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَمْ يَحْنَثْ - إِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا , وَلَوْ قَالَ : إَنْ أَحَبَّ اللَّهُ - حنث - إذا كان واجبا أو مستحبا .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 113
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص١١٣