تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وَهُوَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي سِيَاقِ التَّمَدُّحِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَدْحَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ ، وَأَمَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَيْسَ بِكَمَالٍ فَلَا يُمْدَحُ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُمْدَحُ الرَّبُّ تَعَالَى بِالنَّفْيِ إِذَا تَضَمَّنَ أَمْرًا وُجُودِيًّا ، كَمَدْحِهِ بِنَفْيِ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ ، الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ الْقَيُّومِيَّةِ ، وَنَفْيِ الْمَوْتِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ الْحَيَاةِ ، وَنَفْيِ اللُّغُوبِ وَالْإِعْيَاءِ ، الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ الْقُدْرَةِ ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ وَالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَالظَّهِيرِ ، الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَقَهْرِهِ ، [ وَنَفْيِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ صَمَدِيَّتِهِ وَغِنَاهُ ، وَنَفْيِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ تَوَحُّدِهِ وَغِنَاهُ عَنْ خَلْقِهِ ] ( 1 ) ، وَنَفْيِ الظُّلْمِ ، الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ عَدْلِهِ وَعِلْمِهِ وَغِنَاهُ ، وَنَفْيِ النِّسْيَانِ وَعُزُوبِ شَيْءٍ عَنْ عِلْمِهِ ، الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ عِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ ، وَنَفْيِ الْمِثْلِ ، الْمُتَضَمِّنِ لِكَمَالِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ . وَلِهَذَا لَمْ يَتَمَدَّحْ بِعَدَمٍ مَحْضٍ لَمْ يَتَضَمَّنْ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ يُشَارِكُ الْمَوْصُوفَ فِي ذَلِكَ الْعَدَمِ ، وَلَا يُوصَفُ الْكَامِلُ بِأَمْرٍ يَشْتَرِكُ هُوَ وَالْمَعْدُومُ فِيهِ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى : أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ ، فَقَوْلُهُ : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } ( 2 ) ، يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَظَمَتِهِ ، وَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ لِكَمَالِ عَظَمَتِهِ لَا يُدْرَكُ بِحَيْثُ يُحَاطُ بِهِ ، فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الْإِحَاطَةُ بِالشَّيْءِ ، وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } { قَالَ كَلَّا } ( 3 ) ، فَلَمْ يَنْفِ مُوسَى الرُّؤْيَةَ ، وَإِنَّمَا نَفَى الْإِدْرَاكَ ، فَالرُّؤْيَةُ وَالْإِدْرَاكُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُوجَدُ مَعَ الْآخَرِ وَبِدُونِهِ ، فَالرَّبُّ تَعَالَى يُرَى وَلَا يُدْرَكُ ، كَمَا يُعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ مِنَ الْآيَةِ ، كَمَا ذُكِرَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ . بَلْ هَذِهِ الشَّمْسُ الْمَخْلُوقَةُ لَا يَتَمَكَنُّ رَائِيهَا مِنْ إِدْرَاكِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، الدَّالَّةُ عَلَى
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل ، وأثبتناه من النسخ الأخرى . ن . ( 2 ) سورة الْأَنْعَامِ آية 103 . ( 3 ) سورة الشُّعَرَاءِ الآيتان 61 - 62 .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 158 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء